Publicité

Lundi 30 juin 2008

مهنة التدريس

في مواجهة التنظيم البيروقراطي للتعليم

أحمد أغبال

. 1. وضعية المدرس

إذا كان الباحثون في علوم التربية قد أولوا مكانة خاصة للمدرسين في بحوثهم، فإن اهتماماتهم انصب في معظم الأحيان على أدوارهم البيداغوجية والتربوية، وعلى مكانتهم في نظام التعليم باعتبارهم فاعلين تربويين. وإلى عهد قريب، ظلت نظرية الدور théorie des rôles المرتبطة بالنظرية الوظيفية توجه معظم البحوث التي تناولت المدرسين لما توفره من إمكانيات هائلة للقيام ببحوث ميدانية لسهولة أجرأة مفاهيمها(Grace, 1978) . ولا يختلف الأمر بالنسبة للاتجاهات النقدية في علم الاجتماع ممثلة ببرنشطاين وبورديو، والتي أولت عناية خاصة لعلاقات المدرسين بالطبقات الاجتماعية والدولة، وانشغلت بدراسة دورهم السياسي-الأيديولوجي باعتبارهم عناصر فعالة في عملية معاودة الإنتاج على الصعيدين الاجتماعي والثقافي. يبدو وكأن هؤلاء الباحثين يتعاملون مع المدرس كما لو كان مجرد آلة في الجهاز التعليمي مسخرة لخدمة أهداف هذا الجهاز لا غير، كما لو أنه كائن يعمل لتحقيق حاجات الآخرين دون أن تكون له هو مصلحة خاصة في العمل الذي يقوم به، أو حاجة يسعى ألى تلبيتها من خلال كدحه. ولذلك تم إغفال الواقع الوجودي للمدرس وتجربته الذاتية في العمل.

إن رجل التعليم هو مربي، هذا صحيح، ولكنه ليس مربيا على الطريقة المثالية السقراطية. كان سقراط يتسكع في شوارع أثينا وسخا عاري القدمين يعلم الحكمة للشباب ويوصيهم بالنظافة والأناقة، ولا يتقاضى أجرا على ذلك .(Encyclopédie de la Pléiade, 1974) ما هو مورد رزقه؟ وماذا كان يجني من عمله ؟ مورد رزقه أهملته ذاكرة المؤرخين، ربما لأن سقراط نفسه قلل من قيمته وتعالى عليه. وأما بخصوص المسألة الثانية، فلا شك أنه كان يجني المتعة في تبليغ الرسالة وتحقيق الذات. لم يشتغل سقراط في إطار مؤسساتي، ولكن في فضاء الأغورا، متحررا من ضغوط العمل والمراقبة المؤسساتية، فهو المشرع والمبرمج والمنفذ، تلك هي مقومات البطولة.

كان سقراط بطل زمانه الأكبر. كان يواجه مختلف القوى الاجتماعية مؤمنا بقدرته على التأثير فيها. لم يطمح إلى الارتقاء ماديا، ولكن إلى التسامي الروحي. فلو كان طموحه هو الترقية المادية وتسلق السلم الاجتماعي لكان حرمانه من مورد الرزق كافيا لعقابه وردعه، لذلك توجه العقاب إلى صد الروح عن تساميها بقتله.

رجل التعليم في زماننا كادح بالمعنى المعاصر لكلمة الكدح. إنه بروليتاري، بغض النظر عن طبيعة العمل الذي يقوم به والذي هو عمل فكري أو ثقافي .(Orga and Lawn, 1981) يشير  مفهوم البلترة عند أورغا إلى العملية التي تحصل عندما يفقد العامل القدرة على برمجة أعماله وعلى إنجازها، تتمثل تلك العملية أساسا في نقل مهاراته خارج ميدان العمل. يترتب عن هذه الوضعية تقلص دائرة استقلال المدرس الكادح، واشتداد المراقبة عليه، وتدني مهاراته، وتوتر علاقاته مع الإدارة. كانت هذه المشاكل تخص عمال المصانع في مرحلة أولى، ثم انتشرت بعد ذلك لتعم أوساط المدرسين وجميع ذوي الياقات البيضاء.

2. العمل والحاجات البشرية.

لقد اتجهت الأعمال في عصرنا الراهن نحو مزيد من التجانس، وبدأت تنمحي الفوارق بين العمل اليدوي والعمل الفكري. لذلك لزم أن ننظر إلى المدرس على أنه عامل بروليتاري قبل أن يكون مربيا، وظف لتربية الناشئة وفقا لبرامج وأهداف لم يخترها ولم يشارك في وضعها، وربما تعارضت مع ما يطمح إليه، وهو يتقاضى أجرا مقابل خدماته، وليست له سيطرة على الوضعية التعليمية التي تحكمها مبادئ بيروقراطية تخرج عن نطاق إرادته وتحكمه.إن ضغوط العمل التي تميل إلى سحق ذات المدرس الكادح، وفقدان القدرة على السيطرة على الأوضاع  هي الخصائص الأساسية التي يعبر عنها مفهوم البلترة، وهي التي تحدد حقيقة وجوده كمدرس. لذلك اعتبرت مسألة الشغل من القضايا الأساسية التي تهم جميع الكائنات البشرية، وأصبح مفهوم الشغل يحتل مكانة مركزية في جميع العلوم (Galtung ;1985). هذا ما عبر عنه الباحث رشارد براون بقوله أن أهم الأسئلة وأكثرها خصوبة في علم الاجتماع هو ذلك السؤال الذي نطرحه على الناس لمعرفة ماذا يعملون، لأنه يمكننا من معرفة حقيقة تجربتهم في الحياة ( أورد. (Burgess, 1986 وهذا ما ذهب إليه هوغس Hughes أيضا حين قال بأن مفهوم العمل هو مفتاح معرفة حياة الإنسان ووجوده الاجتماعي وهويته ( اورده هارتنت Hartnett (1982). وقد سبق لولر (Waller, 1932) أن طرح هذا السؤال بالنسبة للمدرسين قبل عدة عقود وصاغه على الشكل التالي : ماذا يصنع فعل التعليم بالمعلمين ؟ وما هي محددات مهنة التعليم ؟ غير أن الجواب عن هذا السؤال ظل عالقا زهاء نصف قرن، ولم يبدأ الاهتمام بشكل جدي بقضايا العمل التربوي ودلالاته بالنسبة للمدرسين، وضغوطه عليهم، وآثاره على نفسيتهم وروحهم المعنوية إلا في بداية السبعينيات. وتعتبر أعمال كيدي (Keddie, 1971). وأعمال شارب وغرين.(Sharp and Green, 1975) رائدة في هذا المجال. فقد حاولوا تسليط الضوء على الواقع الذاتي للمدرسين في علاقته بضغوط العمل في إطار وضعية محددة. ثم درس رنلد غراس بعد ذلك تأثير ظروف العمل على وعي المدرسين البريطانيين من منظور اجتماعي-تاريخي على إمتداد النصف الثاني من القرن التسع عشر والقرن العشرين (Grace, 1978).

وإذا كان المدرس من جملة الكادحين الذين يشتغلون في وضعيات وظروف قاهرة، فإنه إنسلن يتميز بما لديه من إرادة ونزوع إلى الحرية والاستقلال، وبما له من حاجات فيزيولوجية وسيكولوجية. لذلك، فإن أية نظرية في العمل لابد وأن تنطوي على تصور معين لدوافع الإنسان وحاجاته. ذلك لأن مفهوم الحاجة يساعد على فهم حقيقة وجوده الاجتماعي وواقعه الذاتي في تفاعله مع مختلف عوامل محيط العمل. وقد حاول بعض الباحثين المهتمين بدراسة ظاهرة الشغل في المنظمات الصناعية وغيرها بلورة نظرية عن الحاجات على أساس تصور معين لطبيعة الإنسان. ولعل من أشهر الإنجازات التي تحققت في هذا المجال تلك التي ترتبط بأسماء كل من أبرهام ماصلو (Maslow,1954) وفردريك هرزبرغ(Hertzberg,1966) وجوهان غالتونغ (Glatung,1985).

يرى ماصلو أن القوة الدافعة في العمل هي الرغبة في تلبية مجموعة من الحاجات. ولكن هذه الحاجات لا تفرض نفسها على الفرد دفعة واحدة وفي وقت واحد، بل تظهر الواحدة منها تلو الأخرى وفقا لمنطق الأوليات الذي يحكم تراتبها. وأول ما يظهر من الحاجات عند الفرد، في نظره، هي الحاجات الفيزيولوجية التي تفصح عن نفسها بواسطة الشعور بالجوع والعطش الخ. تليها الحاجة إلى الأمن، وهي تفصح عن نفسها من خلال الخوف من انقطاع الموارد التي تلبي الحاجات السابقة، ثم تأتي بعدها الحاجات الاجتماعية، وهي تتمثل في الرغبة في إقامة علاقات ذات معنى ودلالة مع الآخرين، وتليها الحاجة إلى الاعتبار الذاتي، ويقصد بها اعتبار الشخص لذاته وتقدير الآخرين له. وعندما تتحقق هذه الحاجات كلها يشعر الشخص بالرغبة في تحقيق الذات self actualization وهي اسمى الحاجات كلها على الإطلاق، وتتحقق عندما يشعر الشخص بأن ما يفعله يتطابق تماما مع ما ينوي ويقصد فعله. ويرى ماصلو أن الحاجات العليا لا يستشعرها المرء إلا إذا استطاع تحقيق ما دونها في الرتبة أو على الأقل تحقيقها بنسبة مهمة.

وأما هرزبورغ فإنه انطلق من نظرية ماصلو ليؤسس نظريته المشهورة باسم " نظرية الحوافز والوقاية الصحي"Motivator hygiene theory، ويميز فيها بين نوعين من الحاجات :

أ- الحاجات التي يتوقف إشباعها على ما يسميه هرزبرغ عوامل الوقاية الصحية hygiene factors  في محيط العمل. يتعلق الأمر بالحاجات الفيزيولوجية والاجتماعية والحاجة إلى الأمن. وأما عوامل الوقاية الصحية فيقصد بها سياسة المنظمة وإدارتها وأجهزة المراقبة والأجور والعلاقات البيشخصية وظروف العمل. يحول إشباع هذه الحاجات دون تولد الشعور بالأسى والألم، ولكنه لا يخلق الشعور بالمتعة والرضا. وأما عدم إشباعها فإنه يولد الألم والقلق والانزعاج والشعور بالحرمان وعدم الرضا.

ب- الحاجات التي ينم إشباعها عن ارتقاء الذات وتناميها  كالحاجة إلى اعتبار الذات والحاجة إلى تحقيقها، وهي ترتبط بالعوامل المحفزة motivator factors كالإنجاز والمسئولية والاعتراف بالإنجاز وتقديره وإمكانيات الترقية وطبيعة الشغل ذاته. عندما يتسنى للشخص إشباع هذه الحاجات فإنه يشعر بالمتعة والرضا والارتياح. ولكن عدم إشباعها لا يولد الشعور بالأسى والألم ولا بالحرمان وعدم الرضا.

تختلف العوامل التي تفسر ظاهرة الاستياء وعدم الرضا عن العمل، حسب هذه النظرية، عن العوامل المسئولة عن تنامي الشعور بالرضا عن العمل. ذلك لأن الرضا عن العمل يرتبط بعوامل الوقاية الصحية، فإن كان تقدير الفرد لهذه العوامل سلبيا فإنه سيكون عرضة لمشاعر الحرمان والإحباط وعدم الرضا عن العمل، وإذا كان تقديره لها إيجابيا أمكنه التخلص من هذه المشاعر. ولكن الاتجاه الإيجابي نحو عوامل الوقاية الصحية، وإن كانت تساعد على التخلص من مشاعر الحرمان والإحباط وعدم الرضا، فإنها مع ذلك لا تولد الشعور بالارتياح والرضا عن العمل.  وأما الرضا عن العمل فإنه يرتبط بالعوامل المحفزة:  فإن كانت نظرة الفرد إليها إيجابية، أدى ذلك إلى تنامي الشعور بالرضا عن العمل. وأما النظرة السلبية إليها فلا يعتبرها هرزبورغ كافية للإيقاع بالفرد في ورطة الشعور بالحرمان.

ولقد استعمل أرجرس Agiris نظرية ماصلو لتفسير ظاهرة الاستلاب وانسلاخ الفرد عن واقع العمل، وعزى ذلك إلى التعارض القائم بين خصائص المنظمة وحاجات الفرد السامية، من حيث أن المنظمة لا توفر للفرد الشروط الضرورية لإشباع الحاجة إلى اعتبار الذات وتحقيقها.

وعلى الرغم من أهمية نظرية ماصلو وخصوبتها المتجلية فيما استلهمته من أعمال، فإنها تعرضت لانتقادات عديدة؛ إلا أن هذه الانتقادات لا تقلل من قيمتها، بل تشهد على خصوبتها بطريقة أخرى. ذلك لأن النقد لم يؤد إلى أحداث قطيعة نهائية معها، بل ساعد على تطويرها من خلال تعديلها وإغنائها. ولعل أهم ما يؤخذ على ماصلو قوله إن الحاجات لا تظهر دفعة واحدة وفي وقت واحد؛ ونفى بعض الباحثين أن تكون متراتبة ومتفاوتة من حيث قيمتها وأهميتها بالنسبة لحياة الإنسان(Galtung, 1985)..

وإذا كانت بنية الحاجات قد أخذت شكلا هرميا في نظرية ماصلو فإن غالتونغ قدم لنا تصورا آخر عنها، وميز فبها بين مجموعتين وهما : الحاجات المادية أو الفيزويلوجية والحاجات اللامادية أو الروحية. وقسم كل مجموعة منهما إلى قسمين، وهي الحاجات التي يتوقف إشباعها على السلوك الفعلي للشخص العياني المحدد، والحاجات التي يتوقف إشباعها على الإمكانيات التي تتيحها طريقة اشتغال البنيات الاجتماعية. ويترتب عن هذا التقسيم وجود أربعة أنواع من الحاجات، نوردها في الخطاطة التالية مرفقة بنقائضها موضوعة بين قوسين.

أنواع الحاجات ونقائضها

 

الحاجات التي يتوقف أشبعها على نشاط الفرد

الحاجات التي يتوقف إشباعها على طريقة اشتغال البنيات

الحاجات المادية

ضمان العيش والبقاء

(العنف، الموت)

 

الرفاهية والرخاء

(الفقر، الموت)

الحاجات اللامادية

الحرية

(القمع)

إثبات الهوية

(الاستلاب)

                  المصدرGaltung، 1985، ص 131.

يقصد بالرفاهية والرخاء الحالة التي يكون عليها الإنسان عندما تتحقق له كل شروط العيش كالمأكل والملبس والمسكن والادخار والتعليم والصحة ووسائل النقل والاتصال؛ ويمتد بعضها إلى مشارف الحياة النفسية أو الروحية للإنسان. وما يميز الحاجات المادية هو كونها معرضة باستمرار للانتفاء، إما بسبب العنف المباشر المؤدي إلى الموت، وإما بسبب العنف غير المباشر المرتبط بطريقة اشتغال البنيات، والذي يؤدي عبر الفقر إلى الموت البطيء. وأما الحاجات اللامادية فإنها ملازمة لحياة الإنسان، ولا يتوقف طهورها على ولوج مرحلة الرفاهية والرخاء، بل ربما وجدت لدى الحيوان أيضا، ولعل ما يدل على ذلك هي حالة الاكتئاب التي تظهر على الحيوانات البرية التي تمضي حياتها في سجن الحدائق.

ولما كانت نظرية العمل تقتضي بالضرورة نظرية الحاجات لزم النظر إلى المدرس باعتباره إنسانا يسعى، قبل كل شيء، من خلال نشاطه المهني، إلى ضمان العيش والرخاء، يلازمه في ذلك طموح إلى الحرية ولاستقلال وإثبات الهوية. ولكن، ماذا لو أدت طريقة اشتغال بنيات المنظمة  التي يعمل فيها إلى سلب حريته وهويته ؟

 

par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Dimanche 29 juin 2008

مهنة التدريس

في مواجهة التنظيم البيروقراطي للتعليم

(الجزء الثاني)

أحمد أغبال

3. عملية البلترة كنتاج للتعارض بين حاجات الفرد وحاجات المنظمة

لقد أثبت أرجيرس Argiris أن الخصائص البنيوية للمنظمات تتعارض في الغالب مع الحاجات اللامادية لأفرادها. هذا التناقض هو المبدأ الذي تقوم عليه عملية البلترة أو عملية المسخ حسب تعبير فرانز كافكا المجازي العنيف، وهي العملية التي تحول الكائنات البشرية إلى بهائم دون أن تحتاج في ذلك إلى بذل أي مجهود (Camus, 1942)، وهو تعبير مجازي آخر لا يقل عنفا عن التعبير السابق. يشير مفهوم البلترة في سياق هذا التحليل إلى حلة الإنسان الذي انتزعت منه حريته وهويته. وهو بهذا المعنى مرادف لمفهوم الاستلاب. تعني البلترة، حسب تعريف أورغا ولاون السابق الذكر، عملية نقل المهارات خارج ميدان العمل، وهذا ما يدل عليه مفهوم الاستلاب كما سنوضح ذلك فيما بعد.

استرعت هذه الوضعية انتباه العديد من الباحثين خلال العقدين الأخيرين، وعكفوا على تحليل مختلف مظاهرها وبيان آثارها السلبية على المنظمة ذاتها وعلى فعاليتها ومردودبتها. ولعل من أهم مظاهرها ما يشير إليه مفهوم " الاحتراق الداخلي"  burnout أو " الإرهاق المهني"  épuisement.professionnelيدل هذا المفهوم على الحالة التي تكون عليها منظمة تبدو من الخارج سليمة ومعافاة من كل أنواع الخلل بينما هي في الواقع معتلة منخورة من الداخل. ومن أعراض هذا المرض تراخي الطاقة العاطفية-الوجدانية، وتزايد الأعباء الذهنية والضغط النفسي ومختلف أنواع التوتر الناتجة عن الضغوطات الخارجية (Sarabach ; 1992). تظهر هذه الأعراض بقوة في مجالات التعليم والصحة وفي قطاع الخدمات على العموم. وهي تدل على وجود اختلالات وظيفية في حقل العمل داخل المنظمات ذات الطبيعة البيروقراطية، تتجلى في التعارض القائم بين ميول الفرد وميول المنظمة. يولد هذا التعارض ردود فعل عاطفية-وجدانية لدى الأفراد ترافقها الأعراض السابقة الذكر وامتداداتها النفسية-العضوية، وغالبا ما ينتهي الأمر بهؤلاء الأفراد إلى تغيير اتجاهاتهم وسلوكياتهم. يعرف باينس Pines  ومسلاش Maslach الاحتراق الداخلي بأنه "جملة من الأعراض المرتبطة بالإرهاق العضوي والانفعالي الوجداني التي تخلق عند الفرد تصورا سلبيا عن ذاته واتجاهات سلبية نحو العمل، وتصرفه عن الاهتمام بالأفراد اللذين أسندت إليهم مهمة العناية بهم" (Pines and Maslach, 1978). يتبين من هذا التعريف وجود علاقة بين ظاهرة الاحتراق الداخلي وظاهرة الاستلاب، وربما كانت هذه المفاهيم تعبر عن شئ واحد، ربما كانت أسماء لمسمى واحد. وما يؤكد ذلك هو تعريف شرنس Cherniss التركيبي المركز لظاهرة الاحتراق الداخلي، حيث وصفها بأنها انسلاخ سيكولوجي عن واقع العمل يأتي كرد فعل إزاء ضغوطه المفرطة (Cherniss, 1980)؛ وهذا هو ما يدل عليه مفهوم الاستلاب عند شباردShepard، حيث عرفه بأنه: "انسلاخ نفسي-اجتماعي عن واقع العمل.(Shepard, 1972)

وإذا نظرنا إلى ظاهرة الاحتراق الداخلي من جهة ما تحدثه من آثر في شخصية الفرد  فسنجد بأنها تختلف كثيرا عن ظاهرن الاستلاب. يؤدي الاحتراق الداخلي إلى نخر الشخصية من الداخل بتآكل مكونات حياتها العاطفية-الوجدانية، ومواردها، وطاقاتها، وقدراتها، وبانكماش الذات وانطوائها على نفسها، فتطمس هويتها وتنمحي. يتجلى ذلك من خلال الإرهاق النفسي-الوجداني والاتجاهات السلبية والكلبية الساخرة التي تتشكل عند المدرسين نحو تلامذتهم، وعدم اعتبار الذات أو تقديرها تقديرا سلبيا، وفقدان الثقة في النفس وفي القدرة على الإنجاز، والانطواء على الذات، وتقلص علاقات الفرد مع الآخرين(Srabach, 1992). هناك تشابه كبير بين هذه الأعراض ومظاهر الاستلاب. يتجلى ذلك بوضوح من خلال مقارنة تلك الأعراض بما يشير إليه رنالد أريك Urick في تعريفه لمفهوم الاستلاب، فهو يرى بأن " الاستلاب كلمة تشير إلى مشاعر بعض الناس وتصوراتهم عن أنفسهم وعن بعض مظاهر المحيط الاجتماعي، لما يوجد بين الذات والمحيط من روابط. إن هذه التصورات والمشاعر هي على العكس مما ذهب إليه الشاعر الإنجليزي جون دن john Donne في قصيدة يقول فيها: لا وجود للجزر في عالم الإنسان؛ كل شخص هو جزء من القارة."(Urick, 1977, p. 8) ومن مظاهر استلاب الفرد ميله إلى أن يصبح " جزيرة ""  منفصلة عن الآخرين حين يستحوذ عليه الاعتقاد بأن لا شيء يربطه بهم، فتفقد الحياة معناها في نظره، وتتلاشى عنده القيم والمعايير الخلقية، ويفقد السيطرة على الأحداث والوقائع، فيشعر بالعجز والوهن، ويفقد القدرة على الفعل والتأثير، ومن ثمة يفقد الثقة في النفس، ويحط من قدرها، فتتبخر هويته، ولا يستطيع بعد ذلك الإجابة، كما يقول أريك، عن السؤال : "من أنا ؟". قد تكون أعراض الاحتراق النفسي ناتجة عن تفاقم ظاهرة الاستلاب.

ويرجع الأصل في ذلك كله إلى اختلال التوازن بين موارد الفرد ومتطلبات المنظمة التي يعمل فيها، ويرجع بالخصوص إلى التعارض بين تصور الفرد للشغل وكيفية تنظيمه وطريقة إنجازه في المنظمات الحديثة. إن الشغل من حيث طبيعته هو " نشاط وجودي existential activity "حسب تعبير برانكو هرفت(Horvat, 1985). وبوصفه كذلك، فإن له وضعية أنطلوجية محددا؛ ولهذا الوضعية أبعاد عديدة، فيزيولوجية، واجتماعية، وسياسية، ونفسية أو روحية؛ ولهذه الأبعاد جميعها أهمية كبيرة في حياة الإنسان، فهي ضرورية لضمان عيشه، وسلامته العضوية والنفسية، كما أنها ضرورية لتحقيق ذاته لتكون للحياة عنده معنى، فينظر إلى العالم بنظرة إيجابية، وهذا هو مصدر سعادته. ذلك ما يفترض أن يتحقق في وضعية مثلى. " أما وأن تكون السلطة التي تراقب أفعالي في يد الغير، فإن من شأن ذلك أن يفصل الأفعال عني، وبما أن العمل نشاط وجودي فستكون لانفصاله آثار سيكولوجية واجتماعية عميقة على الفرد والمجتمع. إن استلاب العمل يخلق مجتمعا مستلبا." .(Horvat, 1985, p. 235)يعبر مفهوم الاستلاب هنا عن وجود شرخ في حياة الإنسان يفصل الذات عن نشاطها الوجودي ويفقدها السيطرة عليه. أما مفهوم الاحتراق الداخلي فإنه يحيل إلى التعقيدات النفسية والنفسية-العضوية المترتبة عن وجود ذلك الشرخ. وأما العملية التي تؤدي إلى حدوث ذلك التصدع فهي عملية البلترة كما حددها لاون وأورغا، والتي ترتبط بكيفية توزيع السلطة في المنظمات البيروقراطية وغيرها. ومن هنا ضرورة تحليل المنظمة المدرسية بهدف تحديد خصائص الوضعية التي يشتغل فيها المدرس وتناقضاتها لبيان آثارها المحتملة على وجوده.

4. طبيعة المنظمة المدرسية

يعرف إتزيونيEtzioni  المنظمات بأنها وحدات اجتماعية أنشئت وفقا لخطة معينة وأرسيت بنيتها بشكل إرادي لتحقيق أهداف معينة. يشمل مفهوم المنظمة المستشفيات والسجون والمؤسسة العسكرية والمؤسسات الدينية والتعليمية كالكنيسة والمدارس والجامعات. وتتميز المنظمات بتقسيم الشغل وتوزيع السلطة والمسئوليات بين أفرادها، كما تتميز بوجود مركز أو عدد من مراكز القرار وأجهزة المراقبة التي تسهر على ضبط السلوك وتوجيه الجهود نحو تحقيق الأهداف المسطرة (Etzioni, 1971) . وتعتمد المنظمات في تنظيم علاقات أفرادها بعضهم ببعض على مبادئ وقواعد شكلية. وتنشأ عن عملية التنسيق هذه بنية المنظمة التي تتميز بنوع من الاستقرار والثبات (Weiss, 1964)

يعكس مفهوم البنية طريقة توزيع المهام والسلطة والمسئوليات لضمان تحقيق الأهداف؛ وتعتبر البنية، بهذا المعنى، كيانا مصطنعا يقوم على أساس عقلي منطقي. إن الطبيعة العقلانية للمنظمات تفرض، من حيث المبدأ على الأقل، أن يسلك الفرد بطريقة عقلانية. ويقصد بالسلوك العقلاني هنا الالتزام التام بالخطة الشكلية وبالبرامج التي تضعها المنظمة لبلوغ أهدافها. يتعين على الفرد في وضعية مثلى، أن يغير " طبيعته الإنسانية " وذلك بأن يتخلى عن كل ما ليس بعقلاني، لتكون أكثر تلاؤما مع متطلبات المنظمة. غير أنه من الصعب تحقيق هذا المطلب في الواقع؛ ولهذا السبب، دعا بعض المهتمين بشؤون تدبير المنظمات من دعاة التنظيم العلمي (طايلور Taylor وفايول (Fayol إلى ضرورة إحداث ثورة على صعيد العقليات يكون هدفها هو جعل "الطبيعة الإنسانية" أكثر تلاؤما مع الطبيعة العقلانية للمنظمات(Argiris, 1964) . تقوم هذه الدعوة على فرضية مفادها أنه من الممكن التأثير في الإنسان لإجباره على التكيف مع ظروف المنظمة والاستجابة لمتطلباتها؛ وتستبعد هذه الفرضية إمكانية تصور بنية تنظيمية تتلاءم مع "الطبيعة الإنسانية". إن ما يجب تغييره في نظر دعاة التنظيم العلمي هو الإنسان، وليس النظام الشكلي المصطنع. لذلك سيظل التعارض قائما بين ميول الفرد وميول المنظمة؛ وسيظل هذا التعارض مصدر آلام ومآسي العاملين في المنظمات.

 

par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Samedi 28 juin 2008

مهنة التدريس

في مواجهة التنظيم البيروقراطي للتعليم

(الجزء الثالث)

أحمد أغبال

 2.4. الحلول المقترحة لحل الصراع بين البيروقراطية والنزعة المهنية

حاول بعض الباحثين المهتمين بشؤون التربية والتعليم إيجاد حل لهذه المعضلة، فانشغلوا بالحث عن الأساليب الإدارية وأساليب القيادة الأكثر تلاؤما وانسجاما مع طبيعة مهنة التدريس (Halpin, 1958 ; Gibb, 1983 ; Cohen & march, 1983 ; Stogdill, 1973) ودعا بعضهم إلى ضرورة إضفاء مسحة إنسانية على وجه البيروقراطية. يأتي في مقدمتهم هلبين Halpin الذي طالب بضرورة اعتماد أساليب القيادة التي تحقق أهداف المنظمة دون أن تخل بالعلاقات الإنسانية. ينطوي أسلوب القيادة الناجح، في نظره، على بعدين يجب أخذهما دائما بعين الاعتبار: يتعلق أحدهما بتحقيق الأهداف goal achievement، ويتعلق الثاني برعاية مجموعة العمل وصيانتهاgroup maintenance.. ولستغدل Stogdill  رأي مماثل، فهو يرى أن أسلوب القيادة الناجح هو ذلك الذي يجمع بين درجة عالية من الاعتبار consideration الذي يظهره الرئيس لمرؤوسيه، من جهة، وقدرة عالية على الأخذ بزمام المبادرة لتنظيم المهام وهيكلتها وتوجيه الجهود نحو تحقيق أهداف المنظمةinitiatve structure. من جهة أخرى. ويرى جب Gibb بأن أسلوب القيادة السائد في مختلف أنواع المنظمات المدرسية هو الأسلوب الدفاعي defensive leadership، وهو أسلوب سلطوي يرتكز على المبادئ التي كشف عنها ماكغريغر  McGrigor  في نظريته المعروفة باسم نظرية theory X. وأما السبب في اللجوء إلى الأسلوب الدفاعي فهو الخوف وفقدان الثقة، بحيث يجد المرء نفسه في حلقة مفرغة: يخاف فيتسلط على الآخرين، ثم يزداد خوفا من ردود أفعالهم فيزداد تسلطا. ويرى جب Gibb بأن الحل يكمن في استئصال جذور الخوف وفي بعث مشاعر الثقة. فإذا كان الخوف يولد الخوف، فإن الثقة تولد الثقة، والمحبة تولد المحبة، ويولد الاحترامُ الاحترامَ. يكمن الحل في نظره في إحلال نمط قيادة جديد محل النمط الدفاعي، وهو نمط يعتمد على المشاركة كأسلوب في التدبيرparticipative leadership. يقوم هذا الأسلوب على أساس القيم الأخلاقية السامية، وهي قيم لا تتعارض مع القيم المهنية. وأما كوهن Cohen ومارشMarch  فإنهما انطلقا من تحليل المنظمات المدرسية، وخلصا إلى أن ما يميز هذا النوع من المنظمات هو الغموض الذي يكتنف بعض عناصرها البنيوية الأساسية كالسلطة والأهداف وبعض الوقائع المرتبطة بها كالخبرة والنجاح، ووصفوها بأنها مجال للفوضى، ولكنها فوضى منظمةorganized anarchy ، يجد المرء نفسه فيها مضطرا إلى استخدام الاستراتيجيات الدفاعية بسبب الغموض وما يترتب عنه من خوف وحذر وفقدان للثقة بين الأطراف المتفاعلة فيها.

كيف يمكن، إذن، تدبير شؤون عالم يسوده الغموض والخوف والحذر؟ إذا كان جب Gibb قدر رأى الحل في إذابة الجليد وتنحية كل ما يبرر اللجوء إلى الأساليب الدفاعية في القيادة، فإن كوهن ومارش يريان أن الحل يكمن في العثور على خطة تكتيكية تمكن رجال الإدارة من التأقلم مع ذلك المحيط ومن الزيادة في قدرتهم على التأثير في مجريات الأحداث وخاصة فيما يتعلق باتخاذ القرارات وتنفيذها؛ وهو، بطبيعة الحال، حل تقني لمشكل اجتماعي معقد. يتمثل هذا الحل في القدرة على ابتكار واستخدام تقنيات الإقناع والتأثير كتلك التي تستعمل في الإشهار وفي الدعاية السياسية والانتخابية لتغيير اتجاهات الناس. ويعترف الباحثان بأن هذا الأسلوب، وإن كان أكثر فعالية من الأسلوب الدفاعي، فإنه ليس أقل غموضا منه. واقترحا خطة ترتكز على ثمان قواعد تكتيكية tactical rules لمساعدة الإداريين على حل المشكلات التي تواجههم؛ سوف نتطرق للحديث عن بعضها لاحقا، وأما ما يمكن ملاحظته الآن فهو أنها ليست غريبة عن روح الفلسفة السياسية لمكيافيل.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الفلاسفة تصدوا بدورهم لمشكل الصراع بين البيروقراطية والمهنة في قطاع التعليم، واقترحوا حلولا جذرية له؛ ولعل من أشهرها، في العالم الأنجلو-سكسوني على الأقل، ذلك الحل الذي اقترحه الفيلسوف الإنجليزي المعاصر لانجفورد Langford والذي صاغه في ضوء الفلسفة الفينومينولوجية. حاول هذا الفيلسوف أن يعالج مسألة الصراع بين البيروقراطية والمهنة بالرجوع إلى جذورها من أجل استنباط الحلول المناسبة لها؛ ولم يكتف، مثلما فعل علماء الاجتماع، بالتساؤل عما إذا كان التعليم مهنة أم لا، بل تساءل عما إذا كان ينبغي أم لا ينبغي اعتبار التعليم مهنة، وتساءل عما إذا كان يجب تنظيم التعليم على أساس المبادئ البيروقراطية أم على أساس مبادئ المهنة. وحاول أن يعرف أيا من هذين التنظيمين أكثر فعالية وأيهما أكثر إثارة للمشاكل؛ وبدأ بتعريف مفهوم المهنة، وحددها بأنها كل نشاط يهدف إلى خدمة الآخرين يحتاج فيه المحترف إلى معرفة علمية وخبرات تقنية، ولا يصبح الفرد عضوا في المهنة إلا إذا اجتاز مباراة للتأكد مما إذا كان يمتلك بالفعل المعارف والمهارات الضرورية. وتجلب المهنة لصاحبها تقدير الجماعة واحترامها ولاسيما حين تكون علاقته بالمستفيد من الخدمات علاقة مباشرة. ولكن أهم عنصر فيها هو المسئولية. ويرى بأن فكرة المهنة تستلزم بالضرورة وجود نوعين من المسئولية، وهما :

     أ ــ مسئولية الشخص الملتزم. إن الشخص الملتزم هو الذي يعمل وفقا لمبدإ الواجب، فهو لا يعمل خوفا من العقوبات ولا طمعا في المكافآت، وإنما يقوم بما يعتقد أنه الواجب. وكما هو واضح، فإن هذا النوع من المسئولية لا يقبل المراقبة الخارجية، وهو يشكل في نظر لانجفورد حافزا قويا إلى العمل، ويزيد من اعتبار الشخص لذاته.

     ب ــ المسئولية عن الأهداف والغايات: إن الشخص الذي يشتغل لحساب شخص آخر مسئول عن تحقيق الأهداف التي وظف من أجلها على الرغم من أنة لم يشارك في وضعها. ولكن الطرف الذي وظفه يكون مسئولا عن تحديد الأهداف وعن تحقيقها. يعتبر هذا المبدأ في نظر لانجفورد بمثابة الأساس الذي تقوم عليه فكرة المهنة. إذ لابد أن يقبل المحترف بحرية وتلقائية أهداف الجماعة قبولا كليا، بحيث يجب أن يعتبرها وكأنها أهدافه الشخصية.

إذا كان الأمر كذلك، فإن على المدرس باعتباره شخصا مسئولا أن يلتزم بأهداف الجماعة وكأنها أهدافه الشخصية. ينبغي أن يكون حافزه الأساسي في العمل هو مبدأ خدمة الآخرين، وأن يعمل كما لو كان رئيسا. ومعنى ذلك أن يعمل وفقا لأهدافه بوصفه مدرسا، لا وفقا لأهداف البيروقراطيين. يرى لانجفورد بأن تنظيم التعليم على أساس مبادئ المهنة سيؤدي إلى تقوية روح المسئولية لدى المدرسين والتزامهم بالأهداف وولائهم للمهنة. وطالما ظل التعليم محكوما بالمبادئ البيروقراطية فإن المسئولية عن الأهداف سوف لن تتحملها إلا فئة قليلة من البيروقراطيين اللذين لا يزاولون التدريس ولا يعتبرون أنفسهم جزءا من النظام الذي يسهرون على تدبير شؤونه.

يؤدي تشبث المدرسين بمبادئ المهنة إلى نشوء الوعي بوحدة الأهداف وإلى تشكل جماعة مهنية ذات هوية متميزة. يتوقف تشكل هذه الجماعة على الوعي المشترك بالانتماء إلى المهنة وعلى مبدإ التماهي identification الذي يعني دمج الشخص نفسه في شخص أو جماعة دمجا ينشأ عنه ارتباط عاطفي وثيق وروح عصبية esprit de corps قوية. تظهر الجماعة المهنية في ميدان التعليم عندما ينظر كل مدرس إلى غيره من المدرسين بنفس النظرة التي ينظر بها كل مدرس إليه، حيث يكون على وعي، ليس فقط بانتماء المدرسين الآخرين إلى المهنة، ولكنه يكون على وعي أيضا بانتمائه إليها، وبوعيهم على أنه على وعي بانتمائه إليها. يسمي لانجفورد العلاقة التي تربط المدرسين بعضهم ببعض في إطار جماعة مهنية ذات هوية متميزة  "علاقة الوعي الذاتي المتبادل"the relation of reciprocal self-awareness، ويسمي الجماعة التي تتشكل بناء على هذه العلاقة " الجماعة الأولية"primary social group . تتحدد الجماعة الأولية في نظره بنظرة الأفراد إلى واقعهم؛ إنها واقع ذاتي. ويشترط أيضا لظهور هذه الجماعة اعتراف المجتمع بالمدرسين كمحترفين، وقبوله لنظرة المدرس إلى نفسه باعتباره فاعلا اجتماعيا قادرا على أن يقدم للمجتمع خدمات أساسية لما لديه من معارف ومهارات، وباعتباره شخصا ملتزما ومسئولا عن تحقيق أهداف نظام التعليم. يستلزم الاعتراف بذلك كله الاعتراف باستقلالية المهنة، ورفع المراقبة الخارجية عنها، وتحمل نفقات التعليم.

غير أنه ليس من السهل تطبيق هذا النموذج؛ إذ كيف يمكن التأكد من أن جميع المدرسين أشخاص مسئولين بالمعنى الأول لمفهوم المسئولية؟ وهل بلغوا جميعهم درجة من النضج يكون فيها الإحساس بالمسئولية الشخصية قويا إلى درجة يمكن معها الاستغناء عن مراقبتهم؟ ثم ما هي درجة إيمانهم بمبدإ خدمة الآخرين؟ وما هو حافزهم الأساسي في العمل ؟ أهو الإيمان بخدمة الآخرين؟  تشير هذه التساؤلات إلى الصعوبات التي تعترض تطبيق النموذج الذي دعا إليه لانجفورد. لنفترض جدلا أن الجواب عنها سيكون بالنفي؛ يتعين علينا في هذه الحالة أن نتساءل عن العوامل التي تحول دون نضج المدرس وتصرفه عن خدمة الآخرين وعن تحمل المسئولية. يمكن تسليط بعض الأضواء على هذه المسألة بالنظر إليها في ضوء نظرية الحاجات ومن خلال ربطها بعملية البلترة الناجمة عن الطريقة البيروقراطية في تنظيم التعليم.

لقد أوضح أرجيرس Argyris بما لا يدع مجالا للشك وجود تنافر بين متطلبات الشخصية فيما يتعلق بنموها ونضجها ومتطلبات المنظمة البيروقراطية فيما يتعلق بتحقيق أهدافها. يكفي لإثبات ذلك أن نتصور وضعية مثلى يجري فيها تطبيق المبادئ البيروقراطية بدقة وصرامة متناهيين، وضعية يتطابق فيها النموذج الأمثل للبيروقراطية كما صاغه ماكس فيبر مع الواقع. كيف ينبغي أن تكون سمات شخصية الفرد الذي يشتغل في مثل هذه الظروف ؟ لابد أن يكون ذلك الفرد بالضرورة إنسانا سلبيا يتلقى تأثير المحيط ويذعن له، تابعا لغيره، فاقدا لاستقلاله الشخصي، عديم القدرة على التحكم في ظروف العمل، ذي أفق ضيق، سجين الحاضر، ميالا إلى اقتصاد الجهد وإلى تجميد إمكانياته ومهاراته، وينتهي به الأمر إلى الانهيار السيكولوجي (1964Argygis, ).

تتعارض هذه السمات مع ما ينبغي أن تكون عليه الشخصية السوية، ولا تنسجم إلا مع حاجات الأطفال، ولا تستجيب، بكل تأكيد، لما يستلزم إشباع حاجات الراشدين وخاصة فيما يتعلق باستقلال الشخصية وتحقيق الذات وإثبات الهوية. حاول أرجيرس أن يبين ذلك انطلاقا من تعريفه لمفهوم الشخصية، ومن تصوره للنموذج الأمثل للشخصية السوية، مستفيدا من نتائج العديد من البحوث والدراسات، وعرف الشخصية بأنها تنظيم محدد لمجموعة من العناصر التي تشكل وحدة متكاملة، يساهم كل عنصر من عناصرها في تدعيم تلك الكلية والمحافظة عليها؛ وتساهم تلك الكلية بدورها في تدعيم وجود كل عنصر وتحافظ عليه وتصونه؛ وتسعى الشخصية إلى تحقيق نوع من التوازن الداخلي أو التوافق  adjustmentوالتوازن الخارجي من أجل ضمان القدرة على التكيفadaptation ؛ وتكون مدفوعة بطاقة سيكولوجية (وعضوية)؛ وتحتل موقعا مناسبا في نظام معين؛ وتفصح عن نفسها من خلال جملة من المهارات والقدرات؛ وتنتظم عناصرها بشكل معين لتشكل ما يسمى بالأنا self الذي يعبر عن خصوصية الفرد، ويضفي على تجاربه سمة مميزة، ويمكنه من العيش في عوالم خاصة. وتتمتع الأنا بقدرة عالية على الدفاع عن النفس  وعلى مواجهة مختلف التحديات الخارجية، وتتميز بميولاتها إلى النمو لتحقيق مزيد من النضج، ومن أهم هذه الميول :

§        الميل إلى الانتقال من حالة السلبية التي يكون عليها الأطفال اللذين يكتفون بتلقي تأثيرات المحيط إلى حالة الكائن الإيجابي الفعال أو الراشد؛

§        الميل إلى الانتقال من حالة التبعية التي يكون عليها الأطفال إلى حالة الاستقلال النسبي التي يكون عليها الراشدون؛

§        الميل إلى الانتقال من وضعية الطفل الذي يسلك بطرق متماثلة إلى حد ما إلى وضعية الراشد الذي يسلك بطرق عديدة ومتنوعة؛

§        الميل إلى الانتقال من وضعية الطفل الذي يتمسك بمصالح تافهة أو شاذة ثم يتخلى عنها بسرعة إلى وضعية الراشد الذي يكون على وعي بمصالحه الأساسية وتعقيداتها ويدركها في كليتها؛

§        الميل إلى الانتقال من وضعية المرؤوس الخاضع لسلطة الأسرة والمجتمع التي يوجد عليها الطفل  إلى وضعية الراشد الذي يطمح إلى أن يلعب دورا أكثر غنى من دور المرؤوس؛

§        الميل إلى الانتقال من وضعية الطفل ذي الأفق الضيق القصير المدى والذي يتحدد سلوكه بمتطلبات الحاضر إلى وضعية الراشد ذي الأفق البعيد المدى الذي يمتد من الماضي إلى المستقبل؛

§        الميل إلى الانتقال من وضعية الطفل الذي لا يملك وعيا بذاته إلى وضعية الراشد الذي حصل له الوعي بذاته واكتسب القدرة على التحكم في الذات. إن تحكم المرء في سلوكه يولد لديه وعيا بشروط سلامة الشخصية واستقامتها integrity حسب تعبير إركسون Erickson، ويبعث في نفسه مشاعر طيبة تجاه الذات وهو ما يسميه روجرز Rogers اعتبار الذات وتقديرها self worth (Argyris, 1964)

وإذا قمنا بمقابلة النموذج الأمثل للشخصية السوية بالنموذج الأمثل للبيروقراطية فسنجد بأن التنظيم البيروقراطي ينسجم مع متطلبات النمو عند الطفل ولا يتلاءم بتاتا مع متطلبات شخصية الراشد. هذه هي النتيجة التي خلص إليها أرجيرس. ويتوقع أن يشتد التنافر بين متطلبات البيروقراطية ومستلزمات الشخصية السوية كلما ازداد نضج الشخص الذي يحتل المواقع الدنيا في هرم المنظمة، أو عندما تتشدد البيروقراطية في تطبيق مبادئها العقلانية، فيزداد ميلها إلى كبح آليات النمو والنضج لدى الفرد، وتبالغ في تعاملها معه كما لو كان طفلا غير مسئول. يؤدي فقدان التوافق بين متطلبات الشخصية السوية ومتطلبات المنظمة إلى حصول اضطراب في الشخصية يتجلى من خلال شعور الفرد بالحرمان، والعجز عن تحقيق الذات، وانهيار طاقاته السيكولوجية بسبب عجزه عن تحقيق التوافق بين أهداف المنظمة وحاجاته الأساسية، ويتجلى أيضا من خلال ضيق الأفق بسبب فقدان السيطرة على المستقبل الذي يظل غامضا بالنسبة للفرد، ثم إن رغبة هذا الأخير في الحفاظ على سلامته في ظروف عصيبة تجعله يعيش تجربة صراع داخلي مستمر. وتنشأ عن ذلك كله سلوكات شاذة تتراوح بين السلبية التامة والعنف الشديد، ويظهر الميل إلى الهروب من واقع العمل وإلى اعتماد الأساليب الدفاعية والإسقاطية لتبرير تلك السلوكات، إلى غير ذلك من التصرفات المرضية. وتضطر البيروقراطية في مواجهتها لهذه السلوكات إلى تقوية أجهزة الضبط والمراقبة، ولا يؤدي ذلك في الواقع إلا إلى الزيادة في تعقيد المشكلات. هكذا يتحول الحل إلى مشكلة؛ ذلك لأن أجهزة المراقبة تصبح أقل فعالية كلما ازدادت قوة  1983 Parkinson ; 1964 , Crozier .

ولكن، لماذا تتعامل البيروقراطية مع الشخص الراشد كما لو كان طفلا؟ يرى إدغار شاين  Schein  بأن سلوك الفرد داخل المنظمة يتحدد بثقافة المنظمة organizational culture، ويرى أن الثقافة التنظيمية من صنع القادة leaders اللذين يتولون تدبير شؤون المنظمة. يدل مفهوم القيادة عنده على القدرة على إنتاج الثقافة وصيانتها وتدمير ما عداها من الثقافات الدخيلة على المنظمة؛ تلك هي الوظيفة الأساسية للقائد والمبرر الحقيقي لوجود القيادة في نظر شاين. إن القيادة والثقافة، في نظره، هما وجهان لعملة واحدة. يدل مفهوم الثقافة عنده على:"...المصادرات الضمنية الأساسية basic assumptions والمعتقدات المشتركة بين أعضاء المنظمة، والتي تفعل فعلها بطريقة لاشعورية، وتحدد نظرة المنظمة إلى محيطها بطريقة تحمل على الاعتقاد بأنها نظرة عادية ومسلم بها"  .(Schein, 1985, p. 6)تنشأ تلك المصادرات أو المسلمات الضمنية الأساسية كنتيجة للاعتقاد في نجاعة بعض الحلول التي أثبتت التجارب المتكررة قدرتها على حل بعض المشكلات التي تعاني منها المنظمة، وخاصة مشكلة التكيف مع المحيط الخارجي ومشكلة الاندماج الداخلي. وبما أن تلك الحلول نجحت في الماضي ولمدة طويلة، تحولت مع مرور الزمن إلى معتقدات، ثم إلى مسلمات وبديهيات، وانتقلت بحكم بداهتها إلى اللاشعور، وأصبحت تشكل المرتكزات العميقة أو الضمنية لفلسفة المنظمة التي تحدد نظرة الناس إلى واقع المنظمة وكيفية تعاملهم مع ذلك الواقع. يتحول الحل الذي أثبت جدارته كحل ناجع لفترة طويلة إلى معتقد مشترك، ويتحول المعتقد إذا استمرت الظروف على حالها إلى "مصادرة ضمنية أساسية". وعندما تتغير الظروف تظل المصادرة الضمنية ثابتة وراسخة بحكم انتقالها مع مرور الزمن إلى اللاشعور، وأصبحت من البديهيات التي لا يتجرأ أحد على وضعها موضع تساؤل.