Mardi 12 septembre 2006
تطور مفهوم النفس
من المعلم الأول إلى الشيخ الرئيس
أحمد أغبال
أخذ ابن سينا بتعريف أرسطو للنفس وحددها بأنها كمال البدن المركب من عناصر طبيعية. ولا يدل مفهوم النفس عنده على نظام البدن وانسجامه فحسب، بل هي جوهر قائم بذاته زائد على الجسمية ومتعال عليها. وبعد أن حدد ابن سينا مفهوم النفس، قام بوصف قواها التي تحرك الكائنات الحية كالنبات والحيوان والإنسان. فميز في النبات بين القوى المولدة والقوى الغاذية والقوى المنمية. فعندما يبلغ تركيب الجسم درجة عالية من الكمال يكون قادرا على استقبال النفس الحيوانية، فيكتسب القدرة على الحركة والإدراك. ولكن إدراك الحيوان يظل إدراكا حسيا مرتبطا بالأشياء المادية. وميز فيه بين نوعين: إدراك خارجي وإدراك داخلي. يتحقق الإدراك الخارجي من خلال انطباع صور الأشياء المادية في الحواس الخمس. وأما القوىالمدركة منباطن فمنها ما يدرك صور المحسوسات ومنها ما يدرك معاني المحسوسات:
"والفرق بين ادراك الصورة وإدراك المعنى أنالصورة هو الشيء الذي تدركه النفس الباطنة والحس الظاهر معاً؛ لكن الحس الظاهريدركه أولاً ويؤديه إلى النفس إدراك الشاة لصورة الذئب، أعني شكله وهيئته ولونه،فإننفس الشاة الباطنة تدركها، ويدركها أولاً حسها الظاهر. وأما المعنى فهو الشيءالذيتدركه النفس من المحسوس من غير أن يدركه الحس الظاهر أولاً، مثل إدراكالشاة معنىالمضاد في الذئب، وهو المعنى الموجب لخوفها إياه وهربها عنه من غيرأن يكون الحسيدرك ذلك البتة. فالذي يدرك من الذئب أولاً بالحس ثم القوى الباطنةهو الصورة والذيتدركه القوى الباطنة دون الحس فهو المعنى".
وميز ابن سينا في القوى المدركة من باطن بين عدة أنواع، يأتي الحس المشتركة والقوة الحافظة (الذاكرة) المرتبطة به في مقدمة هذه القوى. يقول ابن سينا: "واعلم أن القوة التي بهاالقبول [الحس المشترك] غير القوة التي بها الحفظ". للحيوان إذن قوة مدركة باطنة تسمى قوة فنطاسيا أو الحس المشترك، تتلقى الصور الحسية التي تنقلها إليها الحواس وتحفظها في ذاكرة خاصة تسمى قوة الخيال وتبقى فيها بعد غيبة المحسوسات.
ويلي ذلك القوة التيتسمى متخيلة بالقياس إلى النفس الحيوانية ومفكرة بالقياسإلى النفس الإنسانية، وهذه القوة تركب الصور المحفوظة في ملكة الخيال وتفصل بعضها عن بعض بحسب الاختيار. وهناك القوةالوهمية التي تدرك المعاني الغير المحسوسة الموجودةفي المحسوسات الجزئية "كالقوة الموجودة في الشاة الحاكمة بأن هذا الذئب مهروب عنه وأن هذا الولد هو المعطوف" (الشفا، ص. 45-46). ولهذه القوة ذاكرة خاصة بها تحفظ ماتدركه القوة الوهمية من المعاني الغير المحسوسة الموجودة فيالمحسوسات الجزئية. وتقعالقوة الحافظة من القوة الوهمية موقع القوة التيتسمى خيالاً من الحس. ونسبة تلك القوة إلى المعاني كنسبة هذه القوة إلى الصورالمحسوسة - فهذههي قوى النفس الحيوانية، ومن الحيوان ما يكون له الحواس الخمس كلهاومنه ما لهبعضها دون بعض..
وأما النفس الإنسانية الناطقة فتختلف عن النفس الحيوانية من حيث أنها منفصلة عن البدن في نظر ابن سينا. ويرى أرسطو خلاف ذلك، فهو يعتقد أن النفس مرتبطة بالبدن باعتبارها كماله الأساسي، توجد فيه مثلما يوجد الربان في السفينة، وتلعب دور المبدأ المنظم للبدن والذي لا ينفصل عنه. ليس للروح في نظر أرسطو نشاط مستقل عن البدن، لأن هذا الأخير يشارك النفس في نشاطها، ولا يمكن بالتالي أن يكون للنفس وجود مستقل عن وجود البدن. إن النفس عند أرسطو هي المبدأ الداخلي المنظم البدن والذي يمنحه تماسكه وانسجامه، وليست شيئا زائدا يحركه من الخارج. ففي تجربة الخوف والتفكير، مثلا، ليست النفس هي التي تخاف أو تفكر، بل الإنسان في كليته هو الذي يعيش تلك التجارب، وذلك على خلاف ما ذهب إليه أفلاطون. إن القول بأن النفس تخاف أو تفكر كالقول بأنها تلبس وتبني وما إلى ذلك. ومع ذلك نسب أرسطو المعرفة إلى النفس. والحقيقة أن لأرسطو آراء مختلفة ومتباينة حول مسألة العلاقة بين النفس والبدن، مما يدل على انه لم يتحرر نهائيا من آراء أفلاطون. فهو يرى مثل أستاذه أن البدن أداة تستعملها النفس. يذكرنا مقال الربان والسفينة الذي استخدمه لإيضاح العلاقة بين النفس والبدن بطريقة تفكير أفلاطون في معالجته لهذه المسألة. وهذا ما جعل شراح أرسطو من ذوي النزعة الأفلاطونية المحدثة يؤولون أفكار المعلم الأول وفقا لمبادئ المذهب الأفلاطوني، وهو ما يفسر أيضا محاولة ابن سينا للتوفيق بين الحكيمين.
ففي تفسيره لآراء أرسطو في النفس مال ألكسندر الأفروديسي إلى الرأي القائل بأن النفس هي صورة البدن، ترتبط به ارتباطا وثيقا ولا تنفصل عنه. ولكي يضفي الانسجام على نظرية أرسطو رفض رأي أفلاطون الذي يقول بأن للفكر سلطة على البدن، ومن ثمة رفض مثال الربان والسفينة الذي تسبب له في صعوبات كثيرة. وبدل أ يأخذ بفكرة الربان الذي يقود السفينة اكتفى بالحديث عن فن القيادة للتأكيد على فكرة أن النفس هي صورة البدن وليست شيئا عارضا له، إنها الجوهره الذي بدونه لن يكون هو هو. وما يدل على أن النفس جوهر وليست عرضا كونها قابلة لأن تلحق بها صفات متعارضة، وهذه خاصية من خصائص الجوهر. ويعتبر هذا الدليل هو أول دليل معروف في تاريخ الفلسفة لإثبات الطبيعة الجوهرية للنفس. وسنجده بتردد لدى الفلاسفة السكولائيين الذي جاءوا بعد ألكسندر رغم. صعوبة التوفيق بين كون النفس صورة البدن وكونها جوهرا يقبل صفات متباينة ومتعارضة.
إن الفكرة التي تقول بأن النفس جوهر لامادي مفارق وخالد هي فكرة أفلوطينية بحتة. وما طرح أفلوطين هذه الفكرة إلا لإيجاد حل لمسألة العلاقة بين النفس والبدن، ولكنه لم يقدم أي دليل مقنع لإثبات هذه العلاقة، وإنما اكتفى بالإثبات بالسلب، حيث قال إن النفس لا توجد في البدن مثلما يوجد الربان في السفينة، وأنها لا ترتبط بالبدن مثلما ترتبط الصورة بالمادة وأضاف قائلا على سبيل المثال إن وجود الروح في البدن كوجود النور في الفضاء. وأما الدليل الذي يقوم عليه اعتراضه على أرسطو، الذي اعتبر النفس كمال البدن، فهو أن النفس لو كانت كمال البدن لكان من الممكن تجزيئها مثلما يجزأ البدن. فإذا كان البدن قابلا للتجزيء فإن النفس في اعتقاده لا تتجزأ. ولكن نظرية أفلوطين لا تساعد على تعقل الميولات المتعارضة في النفس والتي تشهد التجارب الإنسانية على وجودها. هذا من جهة، وأما إذا نظرنا على الأمور من منظور أرسطو، واعتبرتا النفس كمال البدن، فإننا لا ندري كيف يمكن لهذه النفس أن تدرك المعقولات. وهذه الصعوبة هي التي دفعت الفلاسفة المشائين إلى افتراض وجود نفس أخرى متعالية. ولكن افتراض وجود هذه النفس طرح من جديد مسألة العلاقة بين النفس والبدن، خاصة وأن مثال الربان والسفينة لا يبين لماذا توجد النفس على الدوام في البدن. وعندما حاول أفلوطين إيجاد حل لهذه المعضلة وقع في النظرة الثنائية إلى الأمور، حيث ذهب إلى أن النفس المتعالية هي محل المعرفة وخالية من الانفعال على عكس النفس المرتبطة بالبدن، ومن ثمة ميز بين نفس دنيا مرتبطة بالبدن تشاركه انفعالاته، ونفس متعالية لا تتأثر بانفعالات البدن. نجد مثل هذا التصور لدى سمبليسيوس الذي ميز بين مبدأ روحي متعالي ومبدأ روحي محايث. ومن هذا المنطلق قام بدمج التصور الأفلاطوني للنفس في المذهب الأرسطي. وبذلك أمكن القول بأن أفعال النفس المحايثة لا تنفصل عن البدن، وأما النفس باعتبارها جوهرا فهي مفارقة للبدن، مثل الربان الذي يتمتع بوجود قائم بذاته منفصل عن السفينة ولكن أفعاله سارية فيها ولا تنفصل عنها.
ذكر ابن سينا في بداية كتاب الشفا أن النفس صورة أو جوهر لامادي، واستعرض في بداية المقالة الأولى من هذا الكتاب ثلاثة مفاهيم ذات صلة بتعريف النفس وهي: الصورة والكمال والجوهر. ونظر إلى في النفس باعتبارها صورة البدن التي تدل على كمال النوع. فالصورة هي كمال للكائن الحي، ذلك الكمال الذي يجعله ينتمي إلى نوع معين من أنواع الكائنات. ومع ذلك يمكن التمييز بين مفهوم الصورة ومفهوم الكمال، من حيث أن المفهوم الثاني أكثر اتساعا من المفهوم الأول، لأن بعض الكائنات تكون أكثر كمالا من غيرها دون أن تكون في حاجة إلى احتواء صورتها، ذلك لأن الصورة جوهر مفارق، كقولنا: الربان هو كمال السفينة والملك كمال الدولة. وهكذا فبما أن بعض النفوس ليست صورا مرتبطة بالأشياء، بل صورا مفارقة لها، وجب تعريف النفس بأنها كمال البدن لا صورته. وإذا سلمنا بهذا التعريف فإنه يمكن التمييز في الكمال بين معنيين: الكمال بوصفه علاقة تربط النفس بالبدن، والكمال بوصفه صورة أو جوهرا قائما بذاته. وهكذا، فإن القول بأن النفس كمال البدن لا يتضمن القول بالضرورة بأنها جوهر قائم بذاته. لأننا نظر هنا إلى النفس في علاقتها بالبدن ولا ننظر إليها باعتبارها كيانا قائما بذاته. إن الكمال هنا هو مفهوم يدل على العلاقة بين النفس والبدن، مثل قولنا إن فلان بناء، فإن تعريف البناء يشمل البناية، ولكن هذا التعريف لا يخبرنا عن طبيعة البناء في حد ذاته، هل هو جوهر أم لا.
وبعد أن اتضحت لنا طبيعة النفس في علاقتها بالبدن باعتبارها كماله، بقي أن نعرف ما إذا كانت النفس جوهرا أم لا، ولتحقيق هذا الهدف يجب أن نقوم أولا بتعريف الجوهر من وجهة نظر الشيخ الرئيس. يرى ابن سينا أنه لكي يكون الشيء جوهرا يجب أن يتوفر فيه شرطان: (1) أن لا يكون عرضا يلحق بالشيء (2)؛ وأن يكون له وجود قائم بذاته مستقل عن أي شيء آخر. لنطبق هذين المعيارين على الإنسان، ولنفترض مع ابن سينا إنسانا خلق في الفراغ أو معلقا في الفضاء، لا يلامس شيئا ولا تلامس أعضاء جسمه بعضها البعض؛ لا يمكن لهذا الرجل لن يعترف بوجود أي موضوع خارجي، ولا حتى أن يدرك بدنه. فلا العالم الخارجي موجود بالنسبة إليه ولا البدن. الشيء الوحيد الذي يوجد بالنسبة إليه هو النفس التي ليس لها امتداد في الطول ولا في العرض ولا في العمق. وهذا هو دليل ابن سينا على استقلال الروح عن البدن، وعلى أنها جوهر لامادي قائم بذاته يمكن إدراكه أو الوعي به بطريقة مباشرة فورية أو عن طريق الحدس. وأما القول بأن النفس هي كمال البدن فإنما يدل على علاقة النفس بالبدن لا على حقيقة النفس ذاتها. إن النفس باعتبارها جوهرا هي كيان قائم بذاته في استقلال عن أي شيء آخر، وليست عرضا من الأعراض المضافة إلى البدن.
وهكذا، فبعد أن دحض ابن سينا كلا من التصور المادي والتصور الرياضي للروح انبرى للبرهنة على أن الروح جوهر لامادي قائم بذاته، وخلص إلى أن النفس الإنسانية وحدها هي التي تتمتع بهذا الوجود الجوهري، وأما النفس النباتية والنفس الحيوانية فلا يمكن تصورهما بمعزل عن الجسم. ومع ذلك نجده يميل في نهاية التحليل إلى الاعتقاد بأن النفس النباتية والنفس الحيوانية جواهر مستقلة قائمة بذاتها مثل النفس الإنسانية. واستدل على ذلك بقوله إن كل جسم كيف ما كان نوعه لا يوجد في استقلال عن النفس التي تمنحه الصورة التي يصنف بمقتضاها ضمن نوع معين من أنواع الكائنات (حصان، إنسان..) وإذا كان الجسم لا يوجد في استقلال عن النفس، فإنه يمكن القول بأن النفس هي جوهره. يدل مفهوم الجوهر هنا على الخصائص التي تميزه عن غيره. وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يجوز اعتبار النفس من اللواحق العارضة للجسم. يبدو أن ابن سينا قد تغافل عن الفرق الموجود بين مفهوم الجوهر الذي يدل على الشيء القائم بذاته، الموجود في استقلال عن غيره، وبين مفهوم الجوهر باعتباره مجموع الخصائص التي تميز بعض الأشياء عن غيرها وتجعلها تنتمي إلى نوع معين من أنواع الكائنات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المعلم الأول كان قد وقع في هذا الخلط.
ولقد حاول ابن سينا البرهنة على خلود النفس، ومن أدلته على ذلك أن علاقة النفس بالبدن ليست علاقة سببية، وبالتالي فإن العلاقة بينهما ليست ضرورية، وإذا كان الأمر كذلك، فإن فناء البدن لن يؤدي إلى فناء النفس. وبما أن النفس قائمة بذاتها ومستقلة عن البدن، فإنه لابد أن تكون خالدة. والدليل الثاني هو أن النفس بسيطة والبدن مركب، والبسيط لا يفنى بينما ينحل الجسم المركب ويفنى.
ولقد ظل الغموض يكتنف مفهوم النفس عند ابن سينا بسبب استعمالاته المختلفة. فعندما يعرف النفس بأنها جوهر لامادي، فإنه كثيرا ما يفهم من هذا التعريف أن النفس ليست شيئا آخر غير العقل. باعتباره وحدة أو كلية أو مبدأ واحدا. فعندما تقوم ملكة من الملكات العقلية بفعل ما فإن النفس تشتغل باعتبارها كلية، تعقل وتعقل أنها تعقل في نفس الوقت. وبذلك يكون ابن سينا قد جعل من النفس أساس كل تجربة شعورية أو فكرية، إنها التعبير عن الوعي بالذات. فعندما يحدث شيء ما في ذهن الإنسان ووجدانه فإنه يميل إلى التعبير عن حالاته الشعورية من خلال استعمال ضمير المتكلم "أنا". لقد ذهب ابن سينا في تصوره لنشاط النفس إلى ابعد مما ذهب إليه أرسطو، و&
Mardi 12 septembre 2006
الميتافيزيقا الديكارتية
بين اللاهوت والنزعة الإنسية
(الجزء الثاني)
أحمد أغبال
ويقول ديكارت إنه ليس له أن يتأسف على أن الله لم يمنحه كمالا أكبر، بل إن عليه أن يشكره على أنه منحه القدرة على تعليق الحكم كلما كانت المعرفة غير واضحة وغير متميزة. وهنا يكمن الكمال الإنساني الأكبر في نظره، يقول بالحرف الواحد في نهاية الجزء الرابع من التأملات: "إنه أكبر كمال إنساني" «c’est la plus grande perfection de l’homme»، أو لنقل إنه الحد الأقصى من الكمال الذي هو كمال بالنسبة للإنسان لا بالنسبة لله ولا حتى بالنسبة للملائكة. لم تأخذ هذه الجملة بعين الاعتبار في التأويلات الأحادية الجانب للميتافيزيقا الديكارتية، فاختزلتها إلى مجرد كونها شكلا من أشكال اللاهوت السكولائي.
ويتجلى كمال الإنسان أيضا في كمال قدراته. يقول ديكارت في الجزء الرابع من التأملات إن الإنسان رغم كونه مخلوق متناهي فإنه يتوفر على ملكات تتصف بنوع من الكمال الخاص بالنوع الإنساني، وهي فكرة جريئة بالنظر إلى ظروف العصر الذي عاش فيه ديكارت. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ديكارت لا يستخدم مفهوم التناهي بالمعنى اللاهوتي الذي يدل على الطبيعة الشريرة للإنسان، والذي يتنافى بالتالي مع فكرة الكمال النسبي. كما أنه لا يستخدم مفهوم الكمال الإنساني بالمعنى الأنطلوجي الذي يدل على أن الإنسان هو أرقى المخلوقات جميعا، وهو ما يدل عليه معنى قوله في التأملات الرابعة إنه لا يحق له أن يشتكي من كون الله عندما خلقه لم ينزله في منزلة الكائنات الأكثر نبلا وكمالا، ونجد نفس الفكرة في رسالته إلى إليزابيت Elisabeth بتاريخ 15 شتنبر 1645، وهي فكرة تنسجم مع التصور الكوبيرنيكي للكون الذي لم يعد الإنسان يحتل فيه مكانة مركزية. وبقدر ما تنسجم مع التصور الكوبيرنيكي بقدر ما تتعارض مع التصور اللاهوتي الذي يجعل من الإنسان أسمى المخلوقات جميعا. يقول في الرسالة المشار إليها: "وبدل أن ننشغل بمعرفة الكمالات التي توجد فينا بالفعل، ننسب للمخلوقات الأخرى النواقص التي لا توجد فيها لكي نسمو فوقها" يتحدد مفهوم التناهي ،إذن، في علاقته بفكرة الكمال الإنساني، من حيث أن السعي إلى تحقيق أقصى درجة ممكنة من الكمال يتطلب الوعي بمواطن الضعف التي توقعنا في الخطأ. مما يدل على أن الإنسان لا يمثل أرقى الكائنات الموجودة في الكون.
وإذا كان في الإنسان شيء ما لامتناهي فهو الإرادة، تلك " الإرادة الكاملة المطلقة" حسب تعبير ديكارت نفسه في حواره مع Burman ولابد من الاعتراف هنا بأن هذه الفكرة تطرح مشكلة عويصة فيما يتعلق بتأويل "التأملات". كيف يمكن الحديث عن تناهي الإنسان إذا كانت إرادته مطلقة ولا متناهية ؟ كيف يمكن الجمع بين تناهي العقل ولاتناهي الإرادة لدى الإنسان ؟
يتجلى تناهي العقل الإنساني في عدم قدرته على فهم الله أو على فهم غايته من خلق العالم. ولكن انعدام القدرة على فهمه لا يعني استحالة معرفته. فقد يرهن ديكارت على وجود الله قبل أن يثبت وجوده هو ووجود العالم. ولذلك يقول بأن معرفة الله أيسر إليه من معرفة العالم. تكمن حدود العقل من وجهة النظر هذه في انعدام القدرة على فهم المطلق، لا في العجز على معرفته كما يقول كانط. إن فكرة الله في نظر ديكارت هي أكثر الأفكار وضوحا وتميزا. فإذا كان من خصائص المطلق أنه مستغلق على الفهم لمن نظر إليه، فإن معرفته، في المقابل، أيسر إليه من معرفة نفسه.
يدل مفهوم الكمال الإنساني على نمط تفكير يرتكز على الإيمان بقدرة الإنسان على معرفة الحقيقة اليقينية بالاعتماد على قدراته الطبيعية، ومما يدل على ذلك تأكيده في مناسبات كثيرة على أن سبب الأخطاء التي نرتكبها لا يرجع إلى وجود نقص في طبيعتنا الإنسانية ولكن إلى سوء استعمال قدراتنا العقلية وإرادتنا وحريتنا.
ويجب الاعتراف مع ذلك بأن مسألة العلاقة بين الميتافيزيقا والأخلاق عند ديكارت مسألة حساسة للغاية، فقد كانت ولا تزال موضوع خلاف لم يحسم بعد. يرى Ferdinand Alquié، مثلا ، أن الفلسفة الأخلاقية عند ديكارت هي "شيء مضاف من الخارج إلى فلسفته". ونقل عنه Martial Gueroult، الذي دعم رأيه في هذه المسألة، قوله إنها نمت "خارج نسق" التأملات. قد يرجع السبب في اتخاذهما لهذا الموقف إلى عدم انتباه أي واحد منهما إلى فكرة "الكمال الإنساني الأساسي" وعدم تقديرهما للمكانة التي تحتلها في نسق التأملات. وإذا أمعنا النظر في هذه الفكرة تبين لنا مدى ارتباطها بفكرة وحدة الكائن الإنساني ومبدأ التمييز بين الروح والجسد. ولبيان هذه العلاقة يتعين علينا تحليل أسس الميتافيزيقا الديكارتية في أفق تحديد المكانة التي يحتلها الإنسان في فلسفة ديكارت.
ذكر ديكارت في رسالتين لأليزابيت بتاريخ 21 مايو و 28 يونيو من عام 1643- واللتان يمكن اعتبارهما بمثابة ملخص مركز لنتائج "التأملات"- أن فلسفته الميتافيزيقية تقوم على أساس ثلاثة مفاهيم أولية، تمثل في نظره النماذج الأصلية التي تقوم عليها كل معرفة إنسانية وهي المفاهيم التي لدينا عن الروح والجسد والعلاقة بين الروح والجسد: يتعلق المفهوم الأول بتصورنا للروح، ويشمل العقل والإدراك الحسي والإرادة ومختلف النوازع الانفعالية؛ ويتعلق المفهوم الثاني بتصورنا للجسم، وهو مفهوم الامتداد الذي تُرَد إليه أشكال الأجسام وهيئتها وحركتها؛ ويتعلق المفهوم الثالث بالعلاقة بين الروح والبدن، وهو مفهوم الوحدة التي تتجلى من خلال قدرة الروح على تحريك البدن، وقدرة البدن على التأثير في الروح وإثارة انفعالاتها. ونظرا لكون هذه المفاهيم أولية وبسيطة فإنه لا يمكن، في نظر ديكارت، تفسير بعضها بالبعض الآخر ولا إرجاع بعضها إلى البعض الآخر، على اعتبار أن كل مفهوم من هذه المفاهيم الثلاث نتأصل في النفس الإنسانية وليس مشتقا من غيره، ولذلك وجب استعمال كل مفهوم في المجال الخاص به. ويرى ديكارت أن هذه المفاهيم تدرك بطرق مختلفة: فالروح لا يمكن معرفتها إلا عن طريق العقل وحده، بينما يمكن معرفة الجسم بواسطة العقل والمخيلة معا وإن كانت معرفته بالمخيلة أحسن. وأما وحدة الروح والبدن فإن خير وسيلة للإحاطة بها هي الملكات الحسية.
ولابد من الإشارة هنا إلى وجود قراءات مختلفة لمضمون هذه الرسائل. يرى بعض المحللين أن مفهوم الإنسان جاء في المرتبة الثالثة بعد مفهوم الذات المفكرة ومفهوم الامتداد، وربما احتل المرتبة الرابعة إذا أخذنا بعين الاعتبار مفهوما آخر أكثر بدائية من المفاهيم الأولية الأخرى، وهو مفهوم الله، الذي يعتبر بداية كل شيء في الفلسفة الديكارتية. وذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن مفهوم الإنسان هو مفهوم مركب يجمع بين مفهوم الروح ومفهوم البدن. ولذلك اعتبروا مفهوم الإنسان، الذي هو وحدة الروح والبدن، مفهوما مشتقا وليس مفهوما أوليا. ومما يترتب عن ذلك أن الفلسفة الديكارتية ليست فلسفة إنسانية بالأساس، بل يمكن تصنيفها ضمن الفلسفات ذات النزعة المضادة للإنسان anti-humanisme، والمقصود بذلك الفلسفات التي لا تجعل من فكرة الإنسان مبدأها الأول، وتكون بذلك أقرب إلى اللاهوت منها إلى الفلسفة.
وتنطلق القراءة الثانية من ملاحظة مفادها أنه ليس في منطوق الرسالتين ما يدل على أن مفهوم الإنسان باعتباره وحدة الروح والجسد مشتق من مفهوم الروح ومفهوم البدن. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن ديكارت حسم في الأمر ولم يترك الباب مفتوحا للتأويل حين صرح بأن كل واحد من المفاهيم الثلاث (الفكر والامتداد ووحدة الروح والبدن) هو مفهوم أولي ولا يمكن فهمه بالتالي إلا بالانطلاق منه هو ذاته وليس من غيره، وبأن إدراك كل مفهوم يتطلب طريقة خاصة، ولا يمكن إذراك مضمونه الدلالي من خلال إجراء مقارنة بينه وبين المفاهيم الأخرى. وعليه، فإن إدراك حقيقة الإنسان باعتباره وحدة الروح والجسد لا يشترط مسبقا توفر المعرفة الواضحة المتميزة بكل من الروح والجسد، ذلك لأن مفهوم الإنسان ليس مزيجا من الروح والمادة، ولكنه وحدة أو كلية تمثل واقعا قائما بذاته. ومع ذلك يمكن للعقل أن يميز في هذه الوحدة أو الكلية على سبيل التجريد بين الروح والجسد. ومن ثمة أمكن القول بأن مفهوم الإنسان هو من المفاهيم الأولية الأساسية التي تقوم عليها الميتافيزيقا الديكارتية وبأن الفلسفة الديكارتية هي من حيث العمق فلسفة إنسانية.
وتتجلى نزعتها الإنسانية في تركيزها على فكرة الكمال الإنساني التي تميزها تمييزا واضحا عن اللاهوت. ولكن إيمان ديكارت بفكرة الكمال الإنساني جلبت عليه سخط رجال الدين وعلماء اللاهوت من السكولائيين الذين تسببوا له في متاعب كثيرة.
لم تكتمل هذه الدراسة بعد.
المرجو ممن يستشهد بفقرة منها أن يشير إلى مصدرها وفقا لما هو متعارف عليه في الأوساط الأكاديمية.
Mardi 12 septembre 2006
الميتافيزيقا الديكارتية
بين اللاهوت والنزعة الإنسية
أحمد أغبال
هل توجد قطيعة بين فلسفة ديكارت وفلسفة النهضة ؟ لازالت هذه المسألة محط خلاف بين الباحثين المختصين في دراسة التراث الديكارتي ومؤرخي الفلسفة إلى اليوم. يرى Henri Gouhier و Etienne Gilson أن ديكارت أحدث قطيعة مع فلسفة النهضة، وذهب Etienne Gilson إلى حد القول بأن ديكارت وضع حدا لمغامرات عصر النهضة، ووصفه Henri Gouhier بأنه يمثل نقيض النهضة "Anti-Renaissance"، واستدل على ذلك بما ورد في رسالة كتبها ديكارت إلى Beeckmann ندد فيها بالفلسفةالطبيعية لبعض الفلاسفة من المجددين في عصر النهضة. ومهما كان تأويل هذه الرسالة فإنه من الممكن مد الجسور بين فلسفة ديكارت والفلسفة الإنسية التي كانت قد بدأت تتشكل في فرنسا خلال عصر النهضة على يد كل من Sibiuda و Bovelles و Charronمن خلال مراجعة المشروع الفلسفي الديكارتي.
والحقيقة أن مشروع ديكارت الذي بلوره مند مارس 1636 والدي يهدف إلى تأسيس علم ذو صلاحية كونية قادر على الارتقاء بالطبيعة الإنسانية إلى أعلى درجات الكمال، هو امتداد لفلسفة النهضة التي كانت تسير في اتجاه الفصل بين الفلسفة واللاهوت والربط بين العلم والحكمة، والابتعاد عن اللاهوت السكولائي الذي جعل من الميتافيزيقا علما تأمليا لا تربطه أية صلة بالحكمة الإنسانية، وذلك على عكس ما نجده لدى أرسطو الذي استه
