Samedi 10 mai 2008

الليبرالية السياسية ومسألة العدالة بدى جون راولز
أحمد أغبال

ما هي شروط التعاقد الأمثل ؟

  1. أن يجري في وضعية منصفة (= وضعية مساواة تتوزع فيها المواقع وفقا لمبدإ التماثلية reciprocity
  2. أن يجري بين أشخاص تتوفر فيهم شروط المواطنة
  3. أن يتم تحييد نتائج التوزيع الطبيعي للإمكانيات والقدرات

لماذا يجب تحييد الفوارق الطبيعية ؟

وما هي مقومات الشخص ؟ مقومات المواطنة ؟

يجب التحكم في الفوارق الطبيعية خلال عملية التعاقد لأنه:

"لا يمكن القول عن التوزيع الطبيعي [للقدرات والمواهب] بأنه عادل أو غير عادل، كما أنه لا يمكن القول إنه ليس من العدالة في شيء أن يولد الناس داخل المجتمع في موقع متميز. هذه وقائع طبيعية فحسب. وأما ما يعتبر عادلا أو غير عادل، فهو طريقة تعامل المؤسسات مع هذه الوقائع [...] ليس هناك ضرورة تدعو الناس للاستسلام لهذه الوقائع العارضة. إن النظام الاجتماعي ليس خارجا عن سيطرة الإنسان أو أنه غير قابل للتغيير أو التعديل، ولكنه نظام ناشئ عن النشاط الإنساني"[1]

كيف يمكن التحكم في عوارض الزمن خلال عملية التعاقد في الوضعية الأصلية ؟

جواب راولز: من خلال إسدال ستار من الجهل عليها veil of ignorance
وما تعريفه ؟ يقول راولز 
:

”... ومن أهم خصائص هذه الوضعية أن أحدا لا يعرف مكانته في المجتمع أو موقعه الطبقي ووضعيته الاجتماعية، ولا يعرف أي أحد نصيبه من التوزيع الطبيعي للقدرات والمهارات كمستوى ذكائه وقوته وما شابه ذلك؛ بل إنني سأذهب إلى حد التسليم بأن أي طرف من الأطراف المعنية لا يعرف تصوره للخير ولا نوازعه النفسية؛ وبذلك يتم اختيار مبادئ العدالة خلف ستار من الجهل. هذا ما يضمن التكافؤ بين الأفراد، بحيث لا يكون هناك من هو في وضعية مواتية أو من هو في وضعية غير مواتية لاختيار المبادئ بناء على حصيلة الحظ الطبيعي أو العوارض الاجتماعية. وبما أن الجميع يوجدون في وضعية لا تسمح لأي أحد أن يضع المبادئ التي تخدم وضعيته الخاصة، فإن مبادئ العدالة ستأتي نتيجة تعاقد منصف[2]

وما الذي يجعل المتعاقدين يقبلون الوقوف خلف ستار الجهل؟

جواب:

المتعاقد شخص أخلاقي

ولا يقبل التعاقد إلا الشخص الأخلاقي

وما هي مواصفات الشخص الأخلاقي ؟

إنه الشخص الذي يتوفر على ملكتين أخلاقيتين وهما:

  1. 1. القدرة على تشكيل تصور للخير والسعي إلى تحقيقه
  2. 2. القدرة على الإحساس بالعدالة وفهم مبادئها وتطبيقه.  
  3. ويعتبر المواطنون متساوين عندما يبلغ مستوى نمو القدرات الأخلاقية الحد الأدنى الذي يؤهلهم للتعاون: يجعلهم قادرين على تفعيلها

تدل الملكة الأولى على أن الشخص الأخلاقي عقلاني

وتدل الملكة الثانية على أنه معقول

ياختصار:

يشترط في المواطن بوصفه شخصا أخلاقيا أن يتوفر على ملكتين، تمثل إحداهما الجانب العقلاني من شخصيته وتمثل الأخرى الجانب المعقول من شخصيته

وما الفرق بين العقلاني والمعقول؟

العقلاني

”إن ما يوجه السلوك العقلاني ..هي تلك المبادئ المألوفة التي توجهنا مثلا نحو اختيار الوسائل التي تمكننا من تحقيق الأهداف بأكبر ما يمكن من الفعالية والنجاح"

المعقول

"إن ما يفتقر إليه الفاعلون العقلانيون هو .. الحس الأخلاقي الذي يشكل أساس الرغبة في الانخراط في التعاون المنصف .. ولست أدعي أن المعقول يستغرق الحس الخلقي كله؛ لكنه يتضمن الجزء المرتبط بفكرة التعاون الاجتماعي المنصف"

باختصار:

الفرق بين العقلاني والمعقول هو أن العقلاني لا يراعي دائما الاعتبارات الأخلاقية أو المصالح المشتركة: فقد يكون المرء عقلانيا في اختياراته إلى أبعد الحدود، ولكن اختياراته قد تكون غير معقولة من الناحية الأخلاقية

وما هي مواصفات الشخص المعقول ؟

q     أن يكون مؤهلا لاقتراح شروط تعاون   منصف يكون من المعقول الاعتقاد بأن الآخرين سيقبلونها

q     الالتزام ببنود اتفاقيات التعاون، ولكن شريطة ان يلتزم بها الآخرون أيضا

q     الاعتراف بصعوبة إصدار الأحكام وقبول ما يترتب عن هذه الصعوبة من نتائج. وهنا يكمن جوهر المعقول

يقول راولز:

”يرجع الأصل في التمييز بين المعقول والعقلاني إلى كانط، ويتجلى ذلك من خلال تمييزه بين الأمر المطلق والأمر الافتراضي.. يمثل الأمر الأول العقل العملي الخالص، ويمثل الثاني العقل العملي الأمبريقي. وفي إطار النظرية السياسية للعدالة حصرت دلالة المعقول في معنى ضيق، وجعلته دالا في المقام الأول على الاستعداد للاعتراف بصعوبة إصدار الأحكام وقبول النتائج المترتبة عنه“[3]

ما الذي يجعل إصدار الأحكام صعبا؟

هناك نوعان من العوامل:

1.   عوامل تتسبب في خلاف غير معقول

2.   عوامل تتسبب في خلاف معقول

1. أسباب الخلاف غير المعقول

q     يدافع الناس عن الآراء التي تؤيد مصالحهم الضيقة أو الأنانية. ولما كانت المصالح متضاربة، فإن الآراء ستكون متعارضة.

q      جميع الناس ليسوا أذكياء بما فيه الكفاية، ومع ارتكابهم للأخطاء المنطقية وقصر النظر والتعصب الأعمى والمستبقات تتعارض الآراء ويحتد الصراع بينها.

2. أسباب الخلاف المعقول: صعوبات الحكم

q     صعوبات مرتبطة بالاستعمال الصحيح (البريء) لملكات الاستدلال والاستنتاج والحكم في المجال السياسي. فباعتبارنا أشخاصا عقلانيين، نسعى إلى تحقيق أهداف متنوعة، ونضطر إلى تقدير قيمتها وترتيبها حسب الأولوية، وهنا تواجهنا صعوبة إصدار أحكام عقلانية صحيحة.

q     وباعتبارنا أشخاصا معقولين نضطر إلى تقدير مدى قوة ووجاهة مطالب الآخرين ليس فقط بالنظر إلى مطالبنا الخاصة، ولكن بالنظر إلى مطالب كل طرف بالقياس إلى مطالب الطرف الآخر. وهنا تواجهنا صعوبة الوصول إلى أحكام معقولة وسليمة.

ومن أسباب عدم الاتفاق المعقول أيضا:

q     كثيرا ما يكون الدليل الأمبريقي العلمي معقدا ومتناقضا، ولذلك يكون من الصعب تقييمه.

q     قد نتفق حول بعض الأمور، ونختلف حول تقدير أهميتها النسبية، فنصدر أحكاما مختلفة.

q     إن مفاهيمنا السياسية والأخلاقية كثيرا ما تكون عامة وفضفاضة وقابلة لتأويلات مختلفة.

q     إن طريقتنا في تقييم الأدلة وتقدير مدى أهمية القيم السياسية والأخلاقية تتأثر بتجاربنا في الحياة وانتماءاتنا الطبقية والدينية..مما يؤدي إلى اختلاف أحكامنا.

q     توظف في المناقشات والمناظرات العمومية قواعد معيارية تتفاوت في درجة قوتها، ولذلك يكون من الصعب إعطاء تقييم عام متفق عليه من طرف الجميع

q     لكل نظام مؤسساتي قيمه الأخلاقية والسياسية، وبما أن لكل نظام فضاء اجتماعي محدود، فإنه يضطر لأن يرسم للقيم التي اختارها حدودا بالنظر إلى قيم أخرى. ومما يترتب عن ذلك صعوبة تحديد الأولويات، وصعوبة اتخاذ القرار.

استنتاج

v     إنه من الممكن بلورة تصورات مختلفة للعالم انطلاقا من زوايا نظر مختلفة وبطريقة معقولة. ومعنى ذلك أن تعدد المذاهب ناتج عن تعدد المنظورات

v     إنه من الخطأ الاعتقاد أن كل الاختلافات الموجودة بيننا سببها الجهل او الفساد أو التنافس عن مصادر الثروة والسلطة والنفوذ. إن الاعتقاد بذلك سيؤدي إلى انتشار مشاعر الحذر والعدوان في المجتمع.

v     إن الاعتراف بصعوبات الحكم يستلزم قبول ما يترتب عنها.

ومما يترتب عن صعوبة الحكم

  1. أن لا يعتنق جميع الأشخاص المعقولين نفس المذهب.
  2. نبذ المذاهب غير المعقولة
  3. الدفاع عن المذاهب المعقولة بطرق معقولة
  4. الدفاع عن المذهب المعقول بطرق غير معقولة لا يحوله إلى مذهب غير معقول

باختصار:

مما يترتب عن صعوبة إصدار الأحكام
1. قبول التعددية العقائدية والمذهبية
2. التسامح
إنها مواصفات الشخص الأخلاقي أو المواطن المؤهل للتعاقد

مواصفات المتعاقدين في الوضعية الأصلية

v     العقلانية: القدرة على اختيار الوسائل الفعالة لتحقيق الأهداف والمصالح الشخصية.

v     المعقولبة: القدرة على اقتراح مبادئ التعاون المنصفة وقبول مبادئ التعاون المنصفة التي يقترحها الغير.

v     ستار الجهل: لا أحد يعرف ما هو نوع التنظيم الذي يخدم مصلحته على حساب مصالح الآخرين.

v     الحذر: لا أحد يقبل المجازفة والمخاطرة بمستقبله.

ولرسم معالم الوضعية الأصلية انطلق راولز من المصادرات الحدسية التالية:

v     اللامساواة غير مقبولة أخلاقيا، ولا يجوز السماح بها ما لم يكن هناك مبرر معقول

v      لا يجوز لأحد أن يأخذ أكثر مما ينبغي فقط لأنه يحتل موقعا من المواقع التي تحكمت في توزيعها عوارض  الزمن

v     لا يمكن القضاء على التعددية العقائدية إلا باستعمال سلطة الدولة، وهو ما يعني القضاء على الحريات المدنية.

باختصار:

يسعى كل فرد إلى تحقيق مصلحته الشخصية، ولكن ستار الجهل يحرم الجميع من اتخاذ القرار الذي يضمن لبعضهم التفوق على غيرهم.. وباعتبارهم أشخاصا عقلانيين يوجدون في وضعية عدم اليقين، ما هي مبادئ العدالة التي يكون من المعقول أن يختاروها جميعا دون استثناء ؟ إذا كنت في وضعية عدم اليقين، فكيف يمكنك أن تتصرف بوصفك شخصا عقلانيا ؟ ما هي مبادئ العدالة التي ستختارها ؟ أمامك لائحة تتضمن مبادئ العدالة التي تتحكم في عملية توزيع الخيرات الأولية (الحقوق، الحريات، السلطة، المناصب، الدخل، الثروة)  

عينة من مبادئ العدالة التي يجب الاختيار بينها تحت إكراهات الوضعية الأصلية
1. مبدأ المنفعة: يعني تحقيق أكبر قدر من الرفاهية لأكبر عدد من المواطنين
2. مبدأ الماكسمين
maximin principle: رفع الحد الأدنى إلى حده الأقصى، أي رفع مستوى رفاهية فئات المجتمع الدنيا  

    إلى أقصى حد ممكن. ومعناه أيضا لا يمكن قبول اللامساواة إلا إذا كانت تزيد من رفاهية الفئات الدنيا

بعبارة أخرى

هل تفضل ؟:

q      نظاما اجتماعيا يزداد فيه معدل الرفاهية ارتفاعا

q     نظاما اجتماعيا ترتفع فيه حصة الفئات الدنيا من الخيرات الأولية إلى أقصى حد ممكن

ما هو الاختيار العقلاني؟

في وضعية عدم اليقين يكون اختيار مبدإ الماكسمين هو الاختيار العقلاني. ما الدليل على ذلك ؟

القضية الأولى: يقضي الواجب بعدم إلحاق الأذى بالآخرين.

القضية الثانية: عندما نضطر إلى الاختيار بين بديلين يلحق كل واحد منهما نوعا من الأذى بالآخرين، فيجب

                    اختيار أهون الضررين.

القضية الثالثة: عندما نريد الاختيار بين أنواع النظم الاجتماعية فإننا نكون بصدد الاختيار بين بدائل يلحق كل

                    واحد منها نوعا من الأذى ببعض الفئات.

القضية الرابعة: اختيار النظام الاجتماعي الذي توزع فيه الخيرات الأولية وفقا لمبدإ الماكسمين يعني اختيار البديل

                    الذي يلحق الحد الأدنى من الأذى بالفئات الدنيا

o       إن كنت عقلانيا فحسب، فستختار مبدأ المنفعة؛

o       وإن كنت عقلانيا ومعقولا في نفس الوقت فستختار مبدأ الماكسمين.

استنتاج

من مزايا البعد المعقول في الشخصية أنه:

         يساعدنا على اتخاذ القرارات في وضعية عدم اليقين وفي الوضعيات المحفوفة بالمخاطر؛

         يؤهلنا للتعاقد مع الآخرين؛

         يؤهلنا للتعامل مع المفارقات الأخلاقية وغيرها.

والنتيجة هي أن المواطن شخص أخلاقي



معقول:

  لأنه يتوفر على ملكة الإحساس بالعدالة



وعقلاني:

  لأنه يمتلك القدرة على تشكيل تصور للخير

يمثل الشخص المعقول والعقلاني النموذج السياسي الأمثل للمواطنة الديمقراطية. والسؤال الآن هو:
كيف تتشكل وتنمو روح المواطنة ؟ هل يمكن تنميتها بواسطة التربية والتعليم ؟



[1] John Rawls (1971). Theory of justice, p. 102

par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Vendredi 9 mai 2008

الليبرالية السياسية ومسألة العدالة لدى جون راولز

أحمد أغبال

الجزء الثاني: مراحل النمو الأخلاقي لدى راولز

وهي مراحل تشكل الإحساس بالعدالة والمشاعر الأخلاقية الموازية لكل مرحلة من المراحل النمائية الثلاث:

1.      أخلاق السلطة

2.      أخلاق التشارك

3.      أخلاق المبادئ

1. أخلاق السلطة

1.                             وهي أخلاق مرحلة الطفولة.

تتشكل بفعل القانون السيكولوجي الأول داخل الأسرة التي تعتبر جزءا من البنية الأساسية للمجتمع

القانون السيكولوجي الأول:

لفهم هذا القانون يجب التعرف أولا على نوازع الطفل وميوله الفطرية

v     الميل الفطري إلى تحقيق ”مصلحته الذاتية العقلانية“ rational self-interest (تحقيق الرغبات الذاتية)؛

v     لا يميل إلى حب الوالدين بالفطرة؛

v     يفتقر إلى القدرة على التسويغ: لا يدرك أهمية الأوامر والنواهي، ولا يرى ما يبرر الخضوع لسلطة الوالدين، ولا يستطيع الشك فيها وانتقادها استنادا إلى مبرر مقبول.

استنتاج:

لا يوجد لدى الطفل أي ميل فطري للامتثال للسلطة. كيف يمكن ”ترويضه“ إذن ؟

القانون الأول: المحبة تولد المحبة

محبة الوالدين لطفلهما تولد محبة الطفل لهما كرد فعل. تتجلى محبتهما له من خلال النوايا الواضحة للعناية به؛ وتتجلى له النوايا بوضوح من خلال:

  • مساعدته على تلبية ”مصالحة الذاتية العقلانية“
  • دعم شعوره بالاعتبار الذاتي وتأكيد تصوره لذاته
  • دعم رغبته في الاستقلال وفي تحمل المسئولية

والنتيجة: تشكل مشاعر وعاطفة جديدة لدى الطفل.

يمكن صياغة القانون السيكولوجي الأول بطريقة أخرى:

عندما يعترف الطفل بحب والديه له من خلال إدراكه لنواياهما الواضحة للعناية به يطمئن على نفسه لإيمانه أن أولئك الذين يمثلون السلطة في محيطه يعتبرونه شخصا جديرا بالاحترام بوصفه قيمة في ذاته. أي أنه أصبح يعتقد أن حب والديه له غير مشروط: لا يحبونه لانضباطه، بل لأن في حضوره متعة. وتكون النتيجة:

q      تنامى الشعور بالاعتبار الذاتي لدى الطفل..

q      وعن هذا الشعور ينشأ حبه لوالديه.

  تنامي المشاعر الأخلاقية لدى الطفل

تتشكل المشاعر الأخلاقية كنتيجة للقانون السيكولوجي الأول. فإذا كان الطفل يحب والديه، ويثق بهما، وحصل أن انساق مع المغريات وخرق القواعد فإنه لابد أن

q      يشعر بالذنب.

q      ويعترف بالخطأ.

الشعور بالذنب شعور أخلاقي ناتج عن القانون الأول. ويدل انعدام الشعور بالذنب على انعدام المحبة والثقة. ولكن لا يجب الخلط بين الشعور بالذنب والخوف من العقاب، لأن الخوف من العقاب لا يعتبر شعورا أخلاقيا.

2. أخلاق التشارك

إذا كانت أخلاق السلطة تتكون من القواعد والتوجيهات (الأوامر والنواهي)، فإن أخلاق التشارك تتألف من المعايير الأخلاقية والنماذج المثلى المرتبطة بالمواقع والأدوار في المنظمات الاجتماعية. تطبع هذه المعايير في نفس الفرد بواسطة مواقف الاستحسان والاستهجان الصادرة عن مراكز السلطة وأعضاء المجموعة التي ينتمي إليها (الأسرة، المدرسة..)

كيف تتشكل وتنمو أخلاق التشارك ؟

كلما تقدم المرء في السن، وانتقل من موقع اجتماعي إلى آخر، ومن دور إلى آخر، يكتسب النماذج المثلى لما ينبغي أن يكون عليه صاحب الموقع الجديد والدور الجديد: التلميذ النموذجي، الأستاذ النموذجي، الزوج النموذجي. ومع مرور الوقت، يكتسب الفرد القدرة على فهم النماذج الجديدة وتفسيرها في ضوء أهداف التنظيم، ويتشكل لديه تصور عن نظام التعاون الشمولي الذي يحدد طبيعة المنظمة ووظائفها وأهدافها

ما هي القدرات المطلوبة لاكتساب أخلاق التشارك ؟

إن اكتساب أخلاق التشارك المتمثلة في التأليف بين نماذج مثلى عديدة يتطلب توفر القدرة على رؤية الأشياء من زوايا نظر متعددة وإدراك الروابط التي تجعل منها  نظام تعاون واحد. ولا يمكن النظر إلى الأشياء من منظور الآخرين ما لم يكتسب الفرد القدرة على إدراك نواياهم ومقاصدهم ومشاعرهم؛ ذلك لأن الفرق بين الطفل والراشد هو أن الطفل تعوزه القدرة على إدراك نوايا الآخرين ومقاصدهم. إن إدراك النوايا والمقاصد والمشاعر هو ما يجعل الفرد قادرا على التحكم في سلوكه وتوجيهه وفقا لتوقعات الشركاء الذين يحتلون مواقع أخرى في المنظمة. إن القدرة على إدراك نوايا ومقاصد الآخرين تؤدي إلى تنامي الحس الخلقي وتدفع الفرد إلى الانخراط في التعاون.

القانون السيكولوجي الثاني

عندما تتحقق قدرة الشخص على إدراك مشاعر زملائه في العمل أو التنظيم الاجتماعي، وتتشكل الروابط العاطفية بينهم بحكم القانون السيكولوجي الأول، وعندما يفصح زملاؤه عن نية واضحة في العمل وفقا لما يقتضيه الواجب، تتنامى مشاعر الصداقة والثقة في الآخرين. وهذا هو القانون السيكولوجي الثاني.

وهذه صياغة أخرى للقانون الثاني:

عندما يلج المنظمة عضو جديد، ويشعر أن الأعضاء القدماء يؤدون أدوارهم وفقا للمثل العليا التي تتناسب مع مواقعهم في التنظيم، ويشعر أنهم يؤدوها بنية واضحة لإيمانهم بأن المبادئ التي يقوم عليها التنظيم عادلة ومنصفة، يكون من نتائج ذلك كله تنامي مشاعر الصداقة والثقة المتبادلة بين أعضاء المنظمة، وهذا ما يجعلهم أكثر ارتباطا بالمثل الأخلاقية المرتبطة بمواقعهم في نظام التعاون. وعندما تتعزز الروابط، تتنامى مشاعر التعاون والتشارك، ويشعر الفرد بالذنب عندما يتخلف عن أداء مهمته وهكذا تتشكل المشاعر الأخلاقية الموازية لاكتساب النماذج المثلى المرتبطة بالمواقع والأدوار في المنظمات تحت تأثير القانون السيكولوجي الثاني

بقول راولز:

”إن غياب هذه الميول [الشعور بالذنب] يدل على غياب روابط الصداقة والثقة المتبادلة“ إن الشخص الذي ينقصه الشعور بالذنب لا يحس بالعبء الملقى على كاهل الآخرين، ولا يصاب بالحرج والانزعاج إزاء شعورهم بالخيبة من نكثه للعهد وخرقه للثقة الموضوعة فيه"[1]

خلاصة

  • فكما أن روابط المحبة تنشأ في المرحلة النمائية الأولى (أخلاق السلطة) داخل الأسرة وفقا للقانون السيكولوجي الأول، كذلك تنمو روابط الصداقة والثقة بين الشركاء في المنظمات الاجتماعية خلال المرحلة النمائية الثانية.
  • في كل مرحلة توجد قوانين طبيعية تقف خلف تشكل المشاعر الأخلاقية.
  • ويدل غياب المشاعر الأخلاقية على غياب الروابط الاجتماعية الحميمة التي يقوم عليها نظام المجتمع بوصفه نظام تعاون منصف.

3. أخلاق المبادئ

إذا كان الشخص في المرحلة النمائية الثانية (أخلاق التشارك)  يبدي نية واضحة للعمل وفقا للنماذج المثلى والمثل العليا المرتبطة بالموقع الذي يحتله في المنظمة، فإن الشخص في المرحلة الثالثة يميل إلى الارتباط بمبادئ العدالة الأكثر سموا وإنصافا. فإذا كان الشخص في المرحلة الثانية يريد أن يكون أستاذا نموذجيا، فإنه أصبح الآن يرغب في أن يكون عادلا.

يقول راولز:

”إن فكرة الفعل العادل والعمل على تطوير المؤسسات العادلة، أصبح لها عنده [في المرحلة الثالثة] جاذبية شبيهة بجاذبية النماذج المثلى..“[2]

القانون السيكولوجي الثالث

حسب هذا القانون، إنه عندما تتشكل مشاعر المحبة ومشاعر الصداقة والثقة المتبادلة بمقتضى القانون الأول والقانون الثاني، يظهر الميل إلى الاعتراف بعدالة المؤسسات إذا شعر الجميع أنهم يستفيدون منها بطريقة منصفة. ويكون من نتائج ذلك تشكل وتنامي الإحساس بالعدالة

يتجلى الإحساس بالعدالة بطريقتين:

  1. يتجلى من خلاف الاعتراف بالمؤسسات العادلة، وقبول سلطتها للاعتقاد بأنها تخدم مصالح الجميع، ولذلك يسعى الجميع، كرد فعل إيجابي، إلى الحفاظ على نظامها واستقرارها، ويشعر الفرد بالذنب إذا أخل بواجباته والتزاماته إزاءها
  2. ويتجلى من خلال الرغبة في العمل من أجل بناء المؤسسات العادلة أو إصلاح المؤسسات القائمة، والرغبة في توسيع مجال تطبيق مبادئ العدالة.

ويشعر الشخص بالذنب إن هو تصرف بطريقة تناقض إحساسه بالعدالة وهنا يأخذ الشعور بالذنب معنى مختلفا عن المعنى الذي يكون له في المرحلتين السابقتين

دلالة الشعور بالذنب لدى الطفل

إن ما يميز الطفل هو عدم قدرته على إدراك النوايا والمقاصد وعلى فهم المثل الأخلاقية. ولذلك، فإن مشاعر الذنب الناشئة عن الإخلال بالمبدأ ليس لها وجود في التجارب الوجودية للطفل

دلالة الشعور بالذنب في أخلاق التشارك

تتشكل المشاعر الأخلاقية في مرحلة التشارك حول روابط الصداقة والثقة في بعض الأشخاص والمجموعات. ويتأسس السلوك الأخلاقي في هذه المرحلة على الرغبة في الحصول على رضا الشركاء وتقديرهم. إذ كثيرا ما يكون الدافع الذي يقف خلف قيام المواطنين بأدوارهم هي الروابط التي تربطهم ببعض الشخصيات المتميزة أو بالمجموعات التي ينتمون غليها، فيخشون من أن تتغير نظرتهم إليهم

دلالة الشعور بالذنب في أخلاق المبادئ

لا ترتبط أخلاق المبادئ بالرغبة في تحقيق رغد العيش أو نيل رضا الآخرين وتقديرهم. تتشكل أخلاق المبادئ بناء على تصورنا للحق بغض النظر عن العوامل العرضية، فخلال هذه المرحلة يصبح الحس الأخلاقي مستقلا عن الظروف العرضية كما هو الحال في الوضعية الأصلية التي وصفناها. يفسر الشخص في هذه المرحلة الشعور بالذنب استنادا إلى المبادئ؛ يفسره بعدم الوفاء للمبادئ. ولكن روابط الصداقة تزيد من قوة الشعور بالذنب.

وخلاصة القول:

عندما يتصرف الشخص وفقا لمبادئ العدالة، بالمعنى الكانطي للكلمة، فإنما يعبر بذلك عن طبيعته بوصفه كائنا عاقلا ومعقولا. والحقيقة أنه:

”بدون إحساس مشترك بالعدالة لن يكون لروابط الحياة المدنية وجود“[3]



[1] John Rawls (1971). Theory of justice, p. 471.

[2] John Rawls (1971). Theory of justice, p. 473.

[3] John Rawls (1971). Theory of justice,

par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mardi 6 mai 2008

الأخلاق المتعالية

أحمد أغبال

"تصرف على نحو تُعامل معه الإنسانية دائما وأبدا، سواء في شخصك أو في شخص غيرك، كغاية، ولا تعامل أحدا البتة كما لو كان مجرد وسيلة فقط"

.

تنطوي هذه القولة على مبدأ أخلاقي عام،: وهو الأمر المطلق غير المقيد بشروط والذي أسس عليه كانط نظريته في الأخلاق. إن هذا المبدأ هو القاعدة الأخلاقية الأساسية التي يجب أن توجه سلوكنا، وتقضي بأن نحترم الآخرين ونحترم أنفسنا، وأن نلتزم دائما بعدم استغلال الآخرين أو التعامل معهم كما لو كانوا مجرد مطية لبلوغ مآربنا الأنانية. تنطوي القولة، إذن، على المبدأ الذي تنبني عليه نظريته في الأخلاق، وتبين كيفية تطبيقه على المستوى العملي في حياتنا اليومية.

إن الأمر المطلق هو القاعدة الوحيدة الممكنة والضرورية لتأسيس الأخلاق على اعتبار أن العقل هو مصدرها وليس التجربة. وإذا أردنا أن نعبر عن هذه الفكرة بلغة كانط ومفاهيمه لقلنا إن مبدأ الأمر المطلق هو مبدأ قبلي ومتعالي، أي سابق على التجربة، وهو مطلق وغير مقيد بشروط،  ومعنى ذلك أنه مستقل عن أية مصلحة شخصية وعن الملابسات الظرفية والأهداف الخاصة، ولا يعبر بالتالي إلا عما ينبغي أن يكون باعتباره الواجب الذي لا مناص منه، ولهذه الاعتبارات يسمي كانط مبدأه الأخلاقي هذا بمبدأ استقلال الإرادة. ويدل مفهوم الاستقلال، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، على التعالي، والمقصود بذلك أنه متعالي عن ظروف الزمان والمكان ولا يتأثر بها، ومعنى ذلك أيضا أنه مبدأ ذو صلاحية كونية. فما هو دليل كانط على أن لهذا المبدأ صلاحية كونية ؟ 

إن ما يبرر الصلاحية الكونية لمبدأ الواجب الأخلاقي في نظر كانط هو وجوده القبلي في العقل الخالص؛ فبما أن العقل واحد بالنسبة للبشرية جمعاء فإنه لابد أن تكون له صلاحية كونية. إن وجوده القبلي في العقل الخالص هو الذي يجعل منه قانونا أخلاقيا يفرض نفسه على الضمير البشري كواجب يجب أن  يلتزم به كل فرد دائما وأبدا مهما كانت الظروف. وكذلك فإن ما يبرر دعوة كانط إلى الصلاحية الكونية لمبدأ الواجب الأخلاقي هو إيمانه بأن الإرادة الخيرة التي تهتدي في وجودها بمبدأ معين  هي الشيء الوحيد الذي يعتبر خيرا في ذاته، إن الإرادة الخيرة التي تريد الخير لنفسها ولغيرها هي الخير في ذاته. وإذا كان لابد للإرادة الخيرة أن تكون مبدئية في مساعيها فإن المبدأ الوحيد الذي يجب أن تعمل به بحكم طبيعتها الخيرة  فهو مبدأ الأمر المطلق الذي يقضي بأن ننظر إلى أي إنسان على أنه قيمة في حد ذاته، وبسبب ذلك وجب احترامه احتراما غير مشروط.

يتمثل المعنى الجوهري للاحترام في الفلسفة الأخلاقية لكانط في التعامل مع الغير باعتباره غاية لا باعتباره وسيلة أو مطية لتحيق المصالح الأنانية. ذلك لأن ما يعتبر غاية في ذاته هو كل ما يستمد قيمته من ذاته ويتمتع بالتالي بالاستقلال الذاتي الذي يعني استقلال الإرادة. ولذلك يعتبر كانط استقلال الإرادة أساس الكرامة الإنسانية، وجعل منه القانون الأخلاقي الكوني الذي يجب على كل فرد احترامه. يقتضي هذا المبدأ بأن يختار كل فرد بحرية الأهداف والغايات التي يريد تحقيقها. إن ما يجعل من الإنسان شخصا ذو كرامة هو استقلال الإرادة وحرية اختيار الأهداف والغايات وفقا لمبدأ الواجب الأخلاقي. وهذا ما جعل كانط يعتبر احترام الاختيارات العقلانية لأي شخص أسمى الفضائل الأخلاقية.

  إن السلوك الأخلاقي، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، هو السلوك الذي يخضع للمبدأ الكوني المتمثل في الأمر المطلق، والذي يلزمنا بأن ت