Mercredi 17 octobre 2007

الاستدلال الفلسفي
(تابع)
ماذا حاول ديكارت أن يثبت في النهاية ؟ لقد شك في كل شيء، وهذا الشك يجعل الإنسان في مأزق وحيرة، ولكنه يولد لديه الرغبة في البحث عن الحقيقة اليقينية. وبذلك يكون ديكارت قد أثبت مشروعية منهجه، وبين قيمته وأهميته الفلسفية: إنه السبيل المؤدي إلى الحقيقة اليقينية في عالم يكتنفه الغموض وعدم اليقين. فما هي الحقيقة اليقينية التي توصل إليها ديكارت بعد ذلك ؟ هذا ما سنحاول بيانه من خلال تحليل نص آخر جاء امتدادا للنص السابق. وقبل الشروع في تحليل هذا النص أرجو أن تمعن النظر في نتيجة البرهان السابق: ألا تلاحظ أنها تنطوي على مفارقة ؟ ولكي يتضح لك الأمر سأقوم بإعادة صياغتها في جملة مركزة: أنا علىيقين بأنه لا يقين في العالم. إنه التعبير عن مأزق الشك والدليل على أن المشكلة لم تحل بعد. فإذا كان مبدأ اليقين غير موجود في العالم، فأين يوجد إذن ؟ هذا هو السؤال الذي يتعين على ديكارت أن يجيب عليه، وهو ما سيحاول القيام به في النص التالي:
يقول ديكارت في التأملات الثانية:
"ولكن، من أدراني أنه لا يوجد شيء آخر مختلف عن الأشياء التي جزمت بأنها غير يقينية ولا يساورنا بشأنه أدنى شك ؟ أليس هناك إله ما أو أية قوة أخرى هي التي وضعت هذه الأفكار في ذهني؟ ولكن ليس من الضروري أن أفترض وجود مثل هذه القوة، فربما يكون باستطاعتي أن أنتجها بنفسي. وإذن، ألست أنا على ألأقل شيئا ؟ ولكنني أنكرت من قبل أن تكون لي أية حاسة أو أي جسم. ومع ذلك أجدني أتردد بخصوص ما يمكن أن يترتب عن ذلك ؟ ألا يتوقف وجودي على الجسم والحواس إلى درجة لا يكون لي وجود بدونها ؟ ولكنني كنت قد توصلت [في السابق] إلى قناعة بأنه لا يوجد شيء في العالم، لا سماء، ولا أرض، ولا أية روح، ولا أي جسم؛ ألم أتوصل في نفس الوقت إلى قناعة بأنني غير موجود ؟ لا بالتأكيد، كنت موجودا بلا شك، طالما أنني كنت مقتنعا بشيء ما، أو على الأقل طالما فكرت في شيء ما. ولكن هناك كائن ما مخادع قوي جدا ومحتال جدا يستعمل كل ما لديه من فنون المكر ليخدعني دائما؛ إلا أنه مهما خدعني، فلن يكون بوسعه أبدا أن يحول دون أن أكون موجودا طالما أنني على وعي باستمرار بأنني شيء موجود. بحيث أنني، وبعد أن فكرت جيدا، وفحصت كل شيء بعناية، يتوجب علي في النهاية أن أخلص إلى نتيجة، وأثبت بأن القضية: أنا أفكر، أنا موجود، هي قضية صحيحة بالضرورة كلما صرحت بها أو كلما استحضرتها في ذهني"
 
القضايا
الصياغة المركز للقضايا
1
ولكن، من أدراني أنه لا يوجد شيء آخر مختلف عن الأشياء التي جزمت بأنها غير يقينية ولا يساورنا بشأنه أدنى شك ؟
 
2
أليس هناك إله ما أو أية قوة أخرى هي التي وضعت هذه الأفكار في ذهني ؟
 
3
ولكن ليس من الضروري أن أفترض وجود مثل هذه القوة، فربما يكون باستطاعتي أن أنتجها بنفسي.
 
4
وإذن، ألست أنا على ألأقل شيئا ؟
 
5
ولكنني أنكرت من قبل أن تكون لي أية حاسة أو أي جسم.
 
6
ومع ذلك أجدني أتردد بخصوص ما يمكن أن يترتب عن ذلك
 
7
ألا يتوقف وجودي على الجسم والحواس إلى درجة لا يكون لي وجود بدونها ؟
 
8
ولكنني كنت قد توصلت [في السابق] إلى قناعة بأنه لا يوجد شيء في العالم، لا سماء، ولا أرض، ولا أية روح، ولا أي جسم
 
9
ألم أتوصل في نفس الوقت إلى قناعة بأنني غير موجود ؟
 
10
لا بالتأكيد، كنت موجودا بلا شك، طالما أنني كنت مقتنعا بشيء ما، أو على الأقل طالما فكرت في شيء ما
 
11
ولكن هناك كائن ما مخادع قوي جدا ومحتال جدا يستعمل كل ما لديه من فنون المكر ليخدعني دائما
 
12
إلا أنه مهما خدعني، فلن يكون بوسعه أبدا أن يحول دون أن أكون موجودا طالما أنني على وعي باستمرار بأنني شيء موجود
 
13
 
بحيث أنني، وبعد أن فكرت جيدا، وفحصت كل شيء بعناية، يتوجب علي في النهاية أن أخلص إلى نتيجة، وأثبت بأن القضية: أنا أفكر، أنا موجود، هي قضية صحيحة بالضرورة كلما صرحت بها أو كلما استحضرتها في ذهني"
 
عزيزي القارئ، سأتركك في مواجهة النص وحيدا هذا المرة لتتولى بنفسك مهمة إعادة صياغة القضايا، والكشف عن بنية البرهان. وإذا واجهتك مشكلة، فاتصل عبر موقع "صوفيا"، واكتب تساؤلاتك في الفضاء المخصص لإضافة التعليق ajouter un commentaire والذي يوجد مدخله أسفل الصفحة على اليمين.
par Ahmed AGHBAL publié dans : دروس
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Dimanche 14 octobre 2007

 

كيف تكتب إنشاء فلسفيا
أحمد أغبال
 
مقدمة
للكتابة الفلسفية خصوصيتها التي تتحد قبل كل شيء بتصورنا للفلسفة. فإذا نظرنا إلى الفلسفة باعتبارها نظرة إلى الحياة ونمط عيش، فإنه لابد أن تكون لكل فرد فلسفته الخاصة التي تتجلى من خلال مجموعة من المعتقدات الأساسية والمفاهيم التي تربط هذه المعتقدات بعضها ببعض وتجعل منها نسقا متكاملا من المعتقدات والتصورات والأنماط السلوكية. ويكون هدف الكتابة الفلسفية في هذه الحالة هو الإفصاح عن عناصر ومكونات الفلسفة الشخصية التي غالبا ما تكون غير واعية إلى هذا الحد أو ذاك.
وهناك فرق بين أن تكون للشخص فلسفته الخاصة أو التلقائية وبين ممارسة الفلسفة كفعل واعي يسعى إلى فحص أفكار ومفاهيم الفلسفة الشخصية ومصادراتها ومعتقداتها الأساسية، وتحليلها تحليلا نقديا من أجل الكشف عن معانيها ودلالاتها والمنطق الذي يبررها. تنطلق الممارسة الفلسفية من التساؤل حول بديهيات الفلسفة الشخصية التي تحدد نظرة الفرد إلى العالم، وتهدف إلى فحص البنية التحتية المنطقية للمواقف الفلسفية لبيان مواطن القوة والضعف فيها، وتقترح أجوبه مدعمة بأدلة منطقية تبين دلالات تلك النظرة وما يترتب عنها على المستويين النظري والعملي، وتفضي الأجوبة بدورها إلى أسئلة جديدة، وتستمر عملية التفكير بهذه الطريقة الجدلية. إن هذا المنطق الجدلي الذي يتجلى من خلال دينامية التساؤل حول مبررات الأفكار والمواقف والجواب المدعم بالأدلة والبراهين هو المنطق الذي يحكم الكتابة الفلسفية. ومعنى ذلك أن الكتابة الفلسفية ليست استعراضا لمجموعة من المعلومات والأفكار فحسب، إنها قبل كل شيء نشاط عقلي يربط الأفكار بعضها ببعض بطريقة منطقية. وإذا كان لابد من أن يفصح الكاتب عن موقفه من القضايا المطروحة، فإن المهم في الأمر ليس هو الموقف في حد ذلته، بل طريقة البرهنة عليه. ومعنى ذلك أن التقييم لا ينصب على فلسفتك ومواقفك الخاصة، بل على طريقتك في ممارسة الفلسفة.
وإذا كانت الفلسفة تفكيرا عقليا منطقيا، فإنها تستعمل آلياتها العقلية المنطقية في كثير من الأحيان لحل المشكلات التي تواجه الإنسان في حياته؛ ولذلك ارتبطت الممارسة الفلسفية - سواء بالنسبة للدارس أو المتعلم - بالبحث عن المشكلات وفهمها وتحديدها وتوظيف المهارات والقدرات العقلية المتوفرة من أجل إيجاد الحلول الناجعة لها. ولهذا يمكن القول: إنه لا وجود لفلسفة بدون مشكلة. فما هي المشكلة الفلسفية ؟
إنها، ببساطة، مشكلة يصعب حلها. فإن سألت أحدا عن مكان وجود محطة القطار مثلا، فسيدلك عليها بسهولة، وتصل إلى غايتك مهما تعددت السبل المؤدية إليها. وإن سئلت عن العدالة ما هي، أو عما إذا كان الإنسان يتمتع بحرية الإرادة والاختيار، فإنك سرعان ما تكتشف أنك أمام مشكلة عويصة حين تقدم جوابا فيواجهك محاورك على طريقة سقراط بسؤال يوقعك في التناقض، وتجد نفسك مضطرا للخروج من المأزق الذي وضعك فيه في محاولة يائسة للدفاع عن موقفك إن كنت تؤمن بأنه الموقف الصحيح، ومن المحتمل أن يواجهك غريمك بالنقد وبالأدلة التي تثبت صحة موقفه، وربما انزعجت من نقده ومن قوة منطقه وانفعلت، وبذلك تكون قد انهزمت.
ولذلك لزم أن تعلم أن أسئلة الحق والجمال والعدالة وحرية الإرادة والخير والشر والحقيقة الخ... هي من المشكلات العويصة التي استغرق الجدال حولها قرونا مديدة، وأخذت في كل عصر شكلا جديدا. وعندما تتعارض الأجوبة عن هذه الأسئلة نكون أمام إشكاليات ومفارقات ومآزق، فنضطر إلى التفكير في مختلف المواقف وتقييمها من خلال فحص الأدلة والبراهين التي تستند عليها.
أنواع الموضوعات الفلسفية
وبناء على ما سبق يمكن التمييز في الموضوعات الفلسفية بين نوعين رئيسيين:
أ‌-          طلب معالجة نص أو قولة: قد يكون الموضوع عبارة عن نص يلخص موقف فيلسوف ما من قضية أو إشكالية ما، أو يستعرض مبدأ من مبادئ فلسفته، أو فرضية من فرضياته أو أطروحاته ، ويطلب منك تحليلها تحليلا نقديا ومناقشتها. وقد يكون عبارة عن جملة أو قولة قصيرة تنطوي على موقف أو مبدأ أو أطروحة، ويطلب منك تحليلها ومناقشتها أيضا، كأن يقال لك مثلا: ماذا يقصد كانط بقوله: "تصرف على نحو تُعامل معه الإنسانية دائما وأبدا، سواء في شخصك أو في شخص غيرك، كغاية، ولا تعامل أحدا البتة كما لو كان مجرد وسيلة فقط" وما رأيك في ذلك ؟ دعنا نواصل الحديث عن أنواع الموضوعات قبل أن نعود إلى النص والقولة لبينان كيفية التعامل معهما ومعالجتهما.
ب‌-      طلب الإجابة عن سؤال مباشر: يجعلك السؤال أمام قضية أو مشكلة فلسفية من غير أن يستحضر موقفا من مواقف الفلاسفة إزاءها؛ ومن أمثلة ذلك، "هل يمكن اعتبار الجنين شخصا ؟"، أو "هل الموت الرحيم مقبول من الناحية الأخلاقية ؟". والفرق الوحيد بين السؤال المباشر والقولة هو أن هذه الأخيرة غالبا ما تعبر عن موقف فيلسوف ما من قضية معينة، لذلك لزم أن يتركز النقاش حول ذلك الموقف، وأما السؤال فيترك الباب مفتوحا أما جميع الاحتمالات الممكنة، ويتعين عليك بالتالي أن تتخذ موقفا وتبرره بالأدلة والبراهين المناسبة، ولذلك لزم أن تجعل من موقفك نقطة تركيز إستراتيجية، وتناقش في ضوئها المواقف المنافسة.  
وعلى الرغم من الاختلافات الشكلية بين مطلب تحليل النص أو القولة ومطلب الإجابة على السؤال المفتوح، فإن جميع المطالب تحيل على مشكلة فلسفية، لأن الممارسة الفلسفية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، مجهود فكري لحل المشكلات، ويقتصر الاختلاف بين مختلف المطالب على طريقة التعامل من المشكلة المطروحة وعلى نقط التركيز الإستراتيجية.
المهارات المطلوبة لمعالجة الموضوعات الفلسفية
تطرح الموضوعات الفلسفية قضايا ومشكلات تطرق لها العديد من الفلاسفة في الماضي والحاضر، ويكون المطلب الأول من المتعلم هو فهم القضايا والمشكلات المطروحة، وإبراز قدرته على التحليل والاستدلال والمناقشة والنقد الخ.. يتعلق الأمر، إذن، بعرض القضية أو المشكلة في لحظة أولى، وتحليلها ومناقشتها في اللحظة الموالية، ويجب أن يتم ذلك كله في إطار وحدة متكاملة ومتناسقة الأجزاء.
1- عرض المشكلة أو القضية
المقصود بعرض المشكلة أو القضية هو إيضاحها من خلال بيان ما يجعلها تفرض نفسها علينا كمشكلة يصعب حلها، وفهم لماذا يُنظر إليها على أنها مشكلة عويصة. ويتطلب تحقيق هذه المهمة توفر القدرة على إعادة صياغة المشكلة بأسلوب شخصي يكشف عن المفارقات التي تثيرها، ذلك لأن فهم القضايا الفلسفية إنما يقاس بمدى قدرة المتعلم على إعادة صياغتها بأسلوبه الشخصي ووضع علامات استفهام حولها. 
ويمثل التحليل لحظة أخرى بالغة الأهمية من لحظات عرض المشكلة. ومعنى التحليل بيان العناصر التي تندرج في تكوين المشكلة، والمفاهيم التي تعبر عنها والعلاقات القائمة بينها والتي تجعل منها وحدة أو كلية. وعندما تفهم المشكلة وتتبين لك مكوناتها وعلاقاتها يكون من السهل ربطها بقضايا أخرى تستدعيها تلك المشكلة بالضرورة، ومن ثمة تستطيع وضعها في سياقها النظري العام. إن دعوة كانط، في قولته السابقة الذكر، إلى الصلاحية الكونية لمبدئه الأخلاقي تثير معها في نفس الوقت مسألة نسبية الأخلاق ، ومسالة ما إذا كان مصدر الأخلاق هو العقل أم الواقع بما ينطوي عليه من تقاليد وأعراف؟ كما أن المسألة المتعلقة بما إذا كان الجنين شخصا تطرح مسألة الهوية الشخصية ومحدداتها، وما إذا كان مفهوم الشخص يتحدد بالمعطى البيولوجي وحده، أم بالمعطى السيكولوجي وحده، أم بهما معا؛ وتثير معها قضايا أخلاقية كمسألة الإجهاض ومدى مشروعيته من الناحية الأخلاقية والقانونية، ومسألة التعديلات الوراثية وما إلى ذلك. وكذلك فإن مسألة حرية الإرادة والاختيار تثير معها مسألة الحتمية ومسألة ما إذا كان للعقاب مبرر أخلاقي.
2- المناقشة
تمثل لحظة المناقشة اللحظة الحاسمة في الكتابة الفلسفية؛ هنا تكون قد انتقلت إلى غاية المطلوب منك، وهو اقتراح جواب أو حل مناسب للمشكلة التي سبق لك أن أوضحتها وحللتها وبينت أبعادها وامتداداتها ووضعتها في سياقها النظري العام، ومناقشة مختلف المواقف إزاءها من خلال ببان مدى أهميتها وحدودها وتقييمها في ضوء موقفك الشخصي أو موقف انحزت إليه لاعتبارات يتعين عليك التصريح بها وتبريرها. ويجب أن تعلم أن كل جواب أو موقف لابد أن يكون مدعما بأدلة وبراهين مقنعة؛ وتعتبر القدرة على الاستدلال والبرهنة إحدى القدرات الأساسية التي لا غنى عنها في الكتابة الفلسفية، وهي التي يوليها المصحح أهمية خاصة في تقييمه لعملك. ولذلك ارتأينا أن نخصص مقالة في المستقبل القريب لمهارة الاستدلال لتكون على علم بمنطقها وتقنياتها
إن منطق الاستدلال هو الذي يضفي الانسجام والتماسك على الإنشاء الفلسفي، وعليه تقوم نصية النص الفلسفي مهما كان نوعه. والملاحظ، انطلاقا من تجربتي كأستاذ في التعليم الثانوي والعالي أن معظم التلاميذ والطلبة يجدون صعوبة كبيرة في الربط بين الأفكار، وغالبا ما يستعملون أدوات الربط اللغوية والمنطقية في غير محلها، فتبدو لهم العبارات والأفكار مترابطة ومنسجمة فيما بينها، وهي في الحقيقة ليست كذلك. وهذه مشكلة حقيقية. والمطلوب هو أن تفضي كل فكرة أو قضية منطقية ما إلى فكرة أو قضية أخرى تلزم عنها منطقيا أو تربطها بها علاقة ما كالعلاقة الجدلية والتقابل، بحيث يشعر القارئ بأنه أمام ديناميكية فكرية تصب في اتجاه واحد وتسير نحو نتيجة يمكن التكهن بها بناء على المقدمات.
وفي إطار هذه الديناميكية الهادفة يكون من المفيد جدا أن تستحضر في ذهنك الانتقادات التي من المحتمل أن تتعرض لها، وترد عليها دفاعا عن موقفك وتناقشها في ضوء الهدف الذي تسعى إليه أو النتيجة التي تحاول إثباتها. ويجب أن ينصب النقد على المصادرات الأساسية التي ينبني عليها الموقف المخالف أو المعارض لموقفك، من جهة، وعلى أسلوب الاستدلال الذي يقوم عليه لبيان ما ينطوي عليه من اختلالات ومواطن ضعف. وكذلك يتعين عليك أن توجه انتباهك إلى المسكوت عنه في الموقف المعارض وإلى ما قد ينطوي عليه ضمنا من عناصر إيديولوجية قد تكون لها انعكاسات سلبية على المستويات الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية. وهذا ما يسمى بالنقد البناء. ولذلك لا يكفي القول : "إنني أأيد موقف كذا أو كذا" أو "لا اتفق مع الموقف كذا أو كذا" لأن هذا الموقف أو ذاك ينسجم أو لا ينسجم مع مزاجك أو معتقداتك الشخصية. ويجب ألا ينطوي العرض إلا على ما له علاقة بالقضايا وبالتساؤلات التي سبق لك طرحها في المقدمة، والتي لا يجب أن تنساها أو أن تحيد عنها، وهذا مع الأسف هو ما يحصل لمعظم التلاميذ والطلبة، حيث تظل التساؤلات المطروحة معلقة كالديكور.
وفيما يتعلق بالخاتمة، فإنني أفضل ألا تكون مجرد ملخص للعرض، بل يجب أن تكون في اعتقادي مناسبة لتقييم موقفك وبيان قيمته وأهميته الفلسفية.
par Ahmed AGHBAL
ajouter un commentaire commentaires (1)    recommander
Vendredi 12 octobre 2007

 

الهوية الشخصية في محك التجربة
الشخص والمستقبل:
تجربة الفيلسوف الإنجليزي برنارد وليامز
أحمد أغبال
قدم لنا الفيلسوف الإنجليزي المعاصر برنارد وليامز (1929-2003)  Bernard Williams في الفصل الرابع تحت عنوان "الأنا والمستقبل" « The self and the future »:من كتابه "مشكلات الأنا" Problems of the self تجربة تذكرنا بالتجارب النظرية التي كان يستعملها جون لوك من أجل تحديد مفهوم الشخص وبيان مقومات الهوية الشخصية. يشتمل هذا الفصل في الواقع على تجربتين نظريتين مختلفتين كان الهدف من ورائهما هو التأكد من الفرضية التي تقول بأن خصائص الهوية الشخصية توجد في استقلال عن خصائص الجسد.
1-      الوضعية المشكلة الأولى: تبادل الأبدان
هب أن شخصين ولجا آلة، وقامت هذه الآلة بإفراغ جسد الشخص (أ) من ذاكرته وخصائصه السيكولوجية ونقلتها إلى حسد الشخص (ب) بعد أن أفرغته من محتواه السيكولوجي ونقلته إلى بدن الشخص (أ)، ومعنى ذلك أن كل واحد منهما استبدل بدنه ببدن الآخر، وبذلك نحصل على الوضعية التالية:
 
قيل التجربة
بعد التجربة
الجسد (أ)
ذاكرة (أ)
ذاكرة (ب)
الجسد (ب)
ذاكرة (ب)
ذاكرة (أ)
ما الذي حصل للشخص (أ) ؟ لا يخلو:
1-      إما أن الشخص (أ) لا زال هو البدن (أ)؛
2-      وإما أن يكون الشخص (أ) قد أصبح الآن هو البدن (ب)،
3-      وإما أن يكون الشخص (أ) في آن واحد هو البدن (أ) والبدن (ب)،
4-    وإما أن يكون الشخص (أ) قد كف عن الوجود.
إذا سلمنا باستحالة أن يعود الجسد الواحد إلى شخصين مختلفين، لزم تشطيب الإمكانية رقم (3). أي من الإمكانيات الثلاث تنطبق على الشخص (أ) ؟ لو طرحنا السؤال على جون لوك، فماذا سيكون جوابه ؟ حتما، سيكون جوابه هو الإمكانية رقم (2)، لأن مفهوم الشخص يتحدد عنده بالخصائص السيكولوجية (الذاكرة والوعي). وهذا هو الموقف الصحيح على ما يبدو.
لكن برنارد وليام أدخل على تجربته عنصرا جديدا، وجعلها تبدو أكثر تعقيدا: شملت التجربة الوضعية التالية:
قيل للشخصين: إنه بعد عملية استبدال الأبدان سيتعرض أحدهما لتعذيب شديد، بينما يُمنح الآخر هدية مالية مغرية. فلو طلب من الشخص (أ) أن يختار بين أن يتعرض الشخص (ب) للتعذيب وبين أن يحصل على المال، فما الذي سيختاره على افتراض أنه سيتصرف بطريقة عقلانية وفقا لمصلحته الأنانية آخذا بعين الاعتبار أنه سيكون في بدن الشخص(ب)؟ يبدو، من الناحية المنطقية، بأن الشخص (أ) سيفضل أن يحصل البدن (ب) على الهدية المالية وأن يتعرض البدن (أ) للتعذيب، وأن الشخص (ب) سيفضل أن يحصل البدن (أ) على الهدية وأن يتعرض البدن (ب) للتعذيب. يبدو أن هذا الاختيار عقلاني إذا افترضنا بأن عملية استبدال الأبدان قد تحققت بالفعل بعد التجربة، وهو اختيار ينسجم مع نظرية جون لوك التي تقول بأن البعد السيكولوجي في الإنسان هو الذي يحدد الهوية الشخصية.
ولما كان من غير الممكن تنفيذ الاختيارين معا في نفس الوقت لزم أن يتخذ القرار بخصوص من سيتعرض للتعذيب ومن سيحصل على الهدية بناء على اختيار شخص واحد، وهو الشخص (أ). ومن هذا المنطلق سيشعر البدن (ب) بالمتعة لأنه حصل على الهدية المالية، ولما كانت ذاكرته الآن هي ذاكرة الشخص (أ) فسوف يحصل له الاعتقاد بأنه حصل على ما كان يرغب فيه. وفي المقابل، سيشعر بدن (أ) بالإحباط والألم بسبب تعرضه للتعذيب، وسيحصل له الاعتقاد، ما دامت ذاكرته الآن هي ذاكرة الشخص (ب) بأنه لم يحصل على ما كان يرغب فيه.
وخلاصة القول أن كلا من الشخصين (أ) و (ب) تصرفا بطريقة عقلانية عندما اختار كل واحد منهما أن يتعرض جسده للتعذيب وأن يحصل جسد الآخر على الهدية. يبدو للوهلة الأولى أنه ليس في الأمر ما يبرر خوف أي أحد منهما على نفسه من التعذيب بعد التجربة. ولما كان جسد كل واحد منهما سيتعرض حتما للتعذيب لزم أن يطرح برنارد وليامز فرضية الخوف. ولكي يتسنى له فحص هذه الفرضية ابتكر تجربة ثانية
2-    الوضعية المشكلة الثانية
أخبر الشخص (أ) أنه سيتعرض للتعذيب في أجل قريب. من البديهي أن يكون الخوف هو سيد الموقف عندما يعلم الشخص بذلك. إن الخوف في هذه الحالة هو شيء معقول تماما، إنه موقف عقلاني.. ولتبديد مخاوفه وجعله يطمئن على نفسه أخبر بما يلي:
1-      سيحدث شيء ما يجعلك تنسى خبر التعذيب؛
2-      سوف تنسى كل ما تتذكره الآن؛
3-      ستكون لك ذاكرة أخرى عن تجارب الماضي؛
4-      الذكريات التي ستكون بحوزتك هي ذكريات الشخص (ب).
فهل من شأن هذه المعلومات أن تبدد مشاعر الخوف وأن تبعث في نفسه الشعور بالطمأنينة ؟
جواب برنارد وليامز هو أن المعلومات الإضافية لن تجعله الشخص (أ) يطمئن على نفسه. ذلك لأنه مهما كان الأمر، فإنه سيجد نفسه في وضعية حرجة للغاية؛ إذ، لماذا سيطمئن على نفسه بسبب توفره على ذاكرة أخرى غير ذاكرته ؟ وحتى في حال ما إذا انتقلت روحه إلى جسد آخر بعد التجربة ، فما الذي سيبعث في نفسه الشعور بالطمأنينة أمام التعذيب المرتقب ؟ يبدو أن نتيجة التجربة الثانية لا تنسجم مع نتيجة التجربة الأولى. ذلك أن التجربة الثانية توحي بأن استمرار الهوية الشخصية مرتبط باستمرار الجسد لا بالسمات والخصائص السيكولوجية. كيف يمكن تفسير هذا التنافر؟
ربما تكمن المشكلة في طريقة عرض التجربة الثانية. والواقع، أن الوضعية الثانية تختلف عن الوضعية الأولى من حيث أنها تركز على الشخص (أ)، بينما تقارن الوضعية الأولى بين اختيارات الشخص (أ) واختيارات الشخص (ب).
إن المعني بالأمر في الوضعية الثانية هو الشخص (أ)، فهو الذي سيتعرض وحده للتعذيب، ولعل ذلك هو ما جعل الإجابة تتجه نحو استمرارية البدن. ولكن ليس هذا هو رأي وليامز: ذلك لأن الشخص (أ) يميل في كل مرحلة من مراحل الإعداد لتقبل التعذيب قبول التعليمات التي تعطى له، ولكنه عندما يفكر فيها يكتشف المبدأ الذي يبرر مخاوفه من التعذيب ، وهو أن تجربة آلام الجسد التي يتوقع أن يمر بها في المستقبل القريب قد لا تَحُولَ الحالة النفسية التي سيكون عليها حينئذ دون وقوعها، ولذلك تكون مخاوفه مبررة ومعقولة. إنه من المعقول جدا أن يشعر بالخوف من التعذيب المرتقب. فإن قيل له: عندما يحل بك التعذيب فإنك لن تتذكر ما قيل لك عنه من قبل: سيحدث أمر ما ينسيك الخبر كالتعرض للتخدير مثلا؛ ولكن هذا القول لن يجعله يطمئن إلى نفسك كثيرا، فقد ينتابه الخوف من أن يتلاشى تأثير المخدر خلال فترة التعذيب. وإن قيل له: إنك لن تتذكر خبر التعذيب فحسب، بل إنك ستنسى كل ما يوجد في ذاكرتك الآن، فإن هذا القول لن يخفف من مخاوفه: فقد يتخيل أنه استفاق ووجد نفسه تحت التعذيب في وضعية  لا يعرف فيها من هو، ولا أين هو، ولا لماذا وجد حيث هو، حتى يجد نفسه تحت التعذيب، فسوف ينتابه خوف عظيم، ويكون هذا الخوف معقولا. وإن قيل له: إنك لن تتذكر ما يحضر بذاكرتك الآن فحسب، بل ستكون لك ذاكرة شخص آخر مختلفة عن ذاكرتك اختلافا تاما، وسيكون لك طبع مماثل تماما لطبع شخص آخر وسمات نفسية كسماته، فهل سيجعله هذا الخطاب يطمئن على نفسه من التعذيب المرتقب ؟ وهل سيكون بإمكانه أن يبدد مخاوفه المعقولة ؟ يجيب برنارد وليامز بالنفي، وسيظل الخوف هو سيد الموقف باعتباره موقفا معقولا.
والملاحظ أن برنار وليامز حاول متعمدا تفادى الإشارة في الحالة الثانية إلى الشخص (ب)، ولم يشر إليه إلا مرة واحدة، في المعلومة الرابعة التي أخبرته بأن الذكريات التي ستكون بحوزته هي ذكريات الشخص (ب)، مما يدل على أن الشخص (ب) ليس عنصرا من عناصر الخطة العامة للتجربة. إن الشخص المعني بهذه التجربة هو (أ) الذي يتعين عليه أن يتخذ القرارات في ضوء مصلحته الأنانية دون أي اعتبار لما قد يحدث للشخص (ب). وإذا كان الأمر كذلك، وكان علينا أن ننظر إلى المسالة المطروحة  من منظور الشخص (أ)، فإنه لن يكون هناك فرق في نظره بين أن يأخذ جسد (ب) ذكريات الشخص (أ) أو أن يحتفظ بذكرياته هو؛ لأنه مهما كان الشخص الذي يجمع بين جسد (أ) وذكريات (ب)، فإنه سيظل هو هو، أي نفس الشخص، وسواء أكانت لجسد (ب) ذكريات (ب)، أو كانت لجسد (ب) ذكريات (أ).
والنتيجة هي أن المخاوف المعقولة تمتد إلى تجربة الألم في المستقبل مهما كانت التغيرات الحاصلة على المستوى السيكولوجي قبل فترة التعرض للتعذيب، مما يدل على أن اختلاف السمات السيكولوجية والذكريات لا ينشأ عنه بالضرورة اختلاف في الهوية الشخصية. ويستفاد من التجربة الثانية أيضا أن القرار العقلاني الذي يتعين على الشخص (أ) أن يتخذه في التجربة الأولى هو أن يختار للبدن (أ) الهدية المالية بدل التعذيب. ولا يكون هذا الاختيار عقلانيا إلا إذا توفر للشخص (أ) مبرر معقول يحمله على الاعتقاد بأن جسد الشخص (أ) سيكون هو (أ). وما يبرر هذا الاعتقاد هو أن خصائص حسد (ب) لا دخل لها في تكوين خصائص جسد (أ). وهذا ما يبرر استمرار الخوف.
par Ahmed AGHBAL publié dans : دروس
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Jeudi 11 octobre 2007

 

مفهوم الشخص في فلسفة جون لوك
أحمد أغبال
 
كيف تتحدد هوية الكائن بصفة عامة والهوية الشخصية بصفة خاصة ؟
في كتابه "مقالة في العقل البشري" خصص جون لوك فصلا كاملا لمسألة الهوية الشخصية تحت عنوان "حول الهوية والتنوع". انصب اهتمامه في هذا الفصل على تحديد مفهوم الهوية الشخصية ومفهوم الشخص في ضوء تصوره العام للهوية. واستهل عرضه بالتمييز بين مختلف تحديدات الهوية ومقوماتها بالنظر إلى مختلف أنواع الكائنات الحية وغير الحية، فميز بين هوية الذرة، وهوية الكتلة المؤلفة من الذرات، وهوية الكائن الحي: فكل ذرة تكون هي نفسها في اللحظة الراهنة، وتظل هي هي عبر مرور الزمن. ومن ثمة، لا تطرح هوية الذرة أي إشكال. أما كتل الذرات فإن هوية كل كتلة أو تفردها يتحدد بمكوناتها بصرف النظر عن طريقة تنظيمها. وعلى خلاف ذلك، تتحدد هوية كل كائن حي بناء على تنظيمه الوظيفي. ويتجلى هذا التنظيم بالملموس في كل لحظة من خلال مجموعة من الذرات، ويظل على حاله يؤدي نفس الوظائف مهما تعرضت مكوناته الذرية للتغير؛ وتأتي وظيفة الحفاظ على نفس الحياة واستمرارها في مقدمة تلك الوظائف. وهكذا، فإن ما يحدد هوية الكائن الحي هو تنظيمه الوظيفي وشكل الحياة المرتبط به سواء أكان شجر سنديان أو حصان.
ويرى جون لوك بأن الإنسان حيوان ذو هيئة خاصة مثلما لكل نوع من أنواع الحيوانات هيأته الخاصة. ولكنه لم يرتح لهذا التعريف، وراح يبحث عن تعريف أكثر تلاؤما مع طبيعة الإنسان، وقاده البحث والتقصي إلى التمييز بين مفهوم "الإنسان" ومفهوم "الشخص" من خلال إجراء العديد من التجارب النظرية التي كان الهدف منها هو استبعاد التعريفات غير الملائمة؛ وإليك بعض الأمثلة من هذه التجارب النظرية أو الافتراضية:
لنفترض أن بعضهم قال إن ما يميز الإنسان هو امتلاكه للروح، وأن وجود الروح هو ما يفسر ثبات هوية الفرد من الطفولة إلى الشيخوخة، وتجعله يبقى هو هو في كل مرحلة من مراحل العمر. ولنفترض أنهم يؤمنون بمذهب التناسخ أو التقمص أو التجسد الجديد للروح، فإن تعريفهم يقتضي أن تكون الروح التي سكنت مختلف الأجسام هي نفس الإنسان سواء كان طفلا أو شيخا عجوزا. وإذا كان مذهب التناسخ يقر أيضا بإمكانية انتقال روح الإنسان إلى جسم حيوان كالحمار مثلا، وإذا علمنا أن روح الإنسان تسكن حمارا من حميرنا، فهل يلزم عن ذلك أن ننظر إلى ذلك الحمار على أنه إنسان؟. وفي تجربة أخرى قارن لوك بين ببغاء بتكلم لغة عقلانية وكائن له هيئة إنسان لكنه لا يمتلك القدرة على إنتاج خطاب عقلاني. واستنتج من ذلك أن الخطاب العقلاني ليس الشرط الضروري ولا الشرط الكافي الذي يجعل من الكائن إنسانا، واستبعد أن يكون ذلك الببغاء إنسانا، وأما الكائن ذو الهيئة البشرية الذي يفتقر إلى القدرة على إنتاج خطاب عقلاني فهو إنسان بحكم هيئته. وهكذا، فإذا كان الإنسان حيوانا ذو هيئة خاصة، فما هو الشخص ؟ يقدم النص التالي جواب جون لوك عن هذا السؤال، وهو مقتبس من كتابه An Essay Concerning Human Understanding"مقالة في العقل البشري" (الفقرة 26 من الفصل السابع والعشرين) :
"إن [لفظ] شخص، حسب فهمي له، اسم يطلق على الإنية. فحيثما عثر امرؤ على ما يسميه إنيته، هنالك، على ما أظن، سيقول آخر إنه نفس الشخص. إنه لفظ قانوني، إليه تنسب الأفعال وحسناتها؛ ولا ينسحب بالتالي إلا على كل فاعل عاقل يتمتع بالأهلية القانونية والقدرة على الشعور بالسعادة والتعاسة. إن هذه الشخصية تمتد لتعود بنفسها إلى ما وراء الوجود الراهن، إلى الماضي، بواسطة الوعي وحده، إذ به تصبح معنية ومسئولة، تعترف بما قامت به من أفعال في الماضي وتنسبها إلى نفسها تماما مثلما تتعامل مع أفعالها في الحاضر بناء على نفس الأسس ولنفس الاعتبارات. يرجع الأصل في كل هذه الأفعال إلى الانشغال بالسعادة الذي ينشأ بالضرورة عن الوعي بحيث لا يمكن تفاديه؛ ذلك لأن من يكون على وعي باللذة والألم، سيرغب في أن تكون الذات الواعية سعيدة. وبالتالي، إذا كان من غير الممكن للذات في الزمن الحاضر أن تتقبل أفعال الماضي وتتملكها بواسطة الوعي، فلن تنشغل بها، كما لو أنها لم تنجز شيئا منها. أما وأن تحصل على المتعة أو الألم، أي على المكافأة أو العقاب، جراء تلك الأفعال، فالأمران سيان، ولا فرق بين ذلك وبين أن تكون قد تعرضت لما جعل منها كائنا سعيدا أو شقيا في وجودها الأول [في الماضي]، فلا سيئات هناك على الإطلاق.لأنه إذا افترضنا رجلا يتعرض الآن للعقاب على ما اقترفه في حياة أخرى وجد فيها من غير أن يكون له شيء من الوعي بتاتا، فأي فرق سيكون بين ذلك العقاب وبين كونه خلق بائسا تعسا ؟ ولهذا، وفي انسجام مع ما سبق ذكره، أخبرنا أحد أتباع الرسول أنه في يوم البعث والنشور، عندما "ينال كل امرئ جزاءه على أفعاله، تفتح أسرار القلوب وتنشر بعناية". إن ما سيبرر حكم العقاب هو الوعي الذي سيكون لدى جميع الأشخاص بكونهم نفس الأشخاص الذين قاموا بتلك الأفعال التي استوجبت عقابهم، وذلك مهما كانت الأجسام التي سيبعثون بها، ومهما كانت طبيعة المادة التي يسكنها ذلك الوعي".
إن الشخص، حسب تعريف جون لوك، كائن عاقل مفكر، ويكون على وعي بأنه هو نفسه ذلك الكائن العاقل حيث ما كان وفي أي زمان كان، يعي بأنه هو نفس الشخص الذي قام بفعل معين، ويظل ذلك الفعل لاصقا بهويته ووعيه مهما تغيرت الظروف وتعاقبت الأزمان. إن ما يحدد الهوية الشخصية إذن هو الوعي، فبواسطته تنسب الأفعال إلى الفاعل، وبه تثبت مسؤوليته عليها، وهو الذي يبرر الثواب أو العقاب. ولهذه الاعتبارات جعل جون لوك من مفهوم الشخص أحد المفاهيم القانونية الأساسية، ونظر إلى بعده الجوهري المتمثل في الوعي باعتباره المبدأ الأول الذي تقوم علية الأهلية القانونية والعدالة.
وأما الجسد فإنه لا يؤثر بأي شكل من الأشكال في الهوية الشخصية. لقد فصل جون لوك بين الوعي والجسد حين افترض، في إطار الجدل اللاهوتي-الفلسفي حول مسالة بعث الأجسام الذي كان على أشده في زمانه، إمكانية أن يبعث الإنسان في هيئة غير الهيئة التي كان عليها في الحياة الدنيا، وفي حال ظهر في هيئة جديدة فإنه لابد أن يتحمل مسؤوليته عن أفعاله إذا كان على وعي بأن الشخص الذي يقف أمام المحكمة في العالم الأخروي هو نفس الشخص الذي اقترف الذنوب التي تنسب إليه عندما كان في العالم الدنيوي. هذا هو الحل الذي اقترحه لوك للمعضلة اللاهوتية المتمثلة فيما لو بُعث الإنسان في جسم غير جسمه؛ وكان بعض المفكرين آنذاك قد طرح معضلة من التهمة أحد أكلة اللحوم البشرية، واشتركا في جسم واحد، وسيكون من المستحيل حينئذ أن يبعث شخصان في جسم واحد.
ولحل هذه المعضلة قام لوك بتجربة من تجاربه النظرية، حيث افترض جدلا أن أميرا من الأمراء انتقلت روحه إلى جسد إسكافي وسكنته بأفكارها ومشاعرها وهواجسها الأميرية. وأما روح الإسكافي فكانت قد غادرت جسده. والنتيجة هي أن الأمير سينظر إلى نفسه دائما على أنه أمير مهما كان الجسد الذي استقرت فيه روحه في النهاية. ومعنى ذلك أن الشخص الذي حصل له الوعي بذاته سيظل هو هو مهما تغير الجسم، وسيظل مسئولا عن أفعاله يوم القيامة إن بعث على هيئة غير هيئته الأصلية شريطة أن يكون على وعي بذاته. فالوعي هو أساس المسئولية والشرط الضروري لثبوت الأهلية القانونية والعدالة ومبدأ الثواب والعقاب. إن التمييز بين الإنسان باعتباره كائنا حيا والشخص باعتباره ذاتا مفكرة وتعي بأنها ذات مفكرة هو أساس الحل الذي اقترحه لوك لمسألة تغير الأجسام وثبات الهوية الشخصية ومتر تباتها على المستوى القانوني واللاهوتي.
وخلاصة القول أن انشغال جون لوك بمسألة العدالة هو الذي ساقه إلى صياغة مفهومه للشخص الذي صنفه في قائمة المفاهيم القانونية. ومن هنا يستمد تصوره للشخص قوته وراهنيته. فإذا كان الشخص كائنا عاقلا يعي باستمرار بأنه هو نفس الذات المفكرة في أمكنة وأزمنة مختلفة، فإن هذا الكائن وحده هو الذي يُفَعِّلُ القانون ويجعله قابلا للتطبيق. لأنه عندما يقوم بفعل ما يكون على وعي بأنه سيظل هو نفس الشخص الذي سيجازى أو يعاقب عنه في المستقبل. فإن تعرض للعقاب، يعود بذاكرته إلى الماضي فيدرك أنه هو نفس الشخص الذي اقترف ذلك الفعل في الماضي؛ وهذا الوعي ضروري لقيام العدالة، وبدونه لا يكون للقانون معنى.  
 
par Ahmed AGHBAL publié dans : دروس
ajouter un commentaire commentaires (3)    recommander
Mardi 9 octobre 2007

مفهوم الشخص في الفلسفة الديكارتية
أحمد أغبال

لعل أكبر حدث في تاريخ البحث الفلسفي المتعلق بسبر أغوار النفس الإنسانية منذ عهد سقراط الذي دعا الإنسان إلى معرفة نفسه هو اكتشاف مبدأ الكوجيطو على يد الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت. يمثل هذا الحدث ثورة حقيقية في حقل الممارسة النظرية التي تجعل من التفكير موضوعا لها. ولفهم هذه الثورة لابد من إلقاء ولو نظرة خاطفة على تاريخ هذه الممارسة قبل مجيء ديكارت ليتسنى لنا إدراك وفهم مدى عمق التغير الذي أحدثه "أب العقلانية الحديثة" في النظرة إلى الذات المفكرة وطريقة التفكير فيها. ولتحقيق هذا الغرض نرى أنه من الضروري التذكير بالخطوط العريضة لنظريات المعرفة لدى أكثر الفلاسفة السابقين شهرة من أجل مقارنتها مع نظرية ديكارت. وسوف يتم التركيز على نظرية المعرفة لدى كل من أفلاطون وأرسطو اللذين كان لهما تأثير كبير في تاريخ الفكر على امتداد قرون عديدة.
ترتكز نظرية المعرفة الأفلاطونية على مصادرة أساسية مفادها أن المعرفة تتحقق من خلال الانتقال والارتقاء التدريجي من المعطى المحسوس إلى النموذج المعقول، حيث تميل الذات العارفة تدريجيا إلى التجرد من كل ما له علاقة بالعالم المحسوس من أجل الاتصال بالعالم المعقول والارتقاء في مراتب المعرفة إلى أن يصل العقل إلى غايته القصوى وهي المشاركة في انسجام العالم المعقول وتناسقه الرياضي. وإذا كان أفلاطون قد جعل من العدد والماهيات الرياضية المبدأ الذي يقوم عليه انسجام العالم المعقول، فلأن العلاقات الرياضية في نظره تظل على الدوام ثابتة لا تتغير، وهو ما يفسر خلود العالم. إن فعل المعرفة هنا لا يختلف عن فعل الوجود، إنه فعل المشاركة في الوجود؛ فقد أوضح أفلاطون في كتابه "الجمهورية" كيف ينبغي أن يكون النظام الاجتماعي لكي يتسنى للإنسان العيش في انسجام مع العالم المعقول كما يتصوره الحكماء.  
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا أصبح الأفلاطونيون يولون أهمية قصوى لدور الصورة في عملية المعرفة، وأصبحت معرفة الموجودات عندهم تعني مشاركتها في صورها أو نماذجها المثلى. ولما كانت الصورة هي التي تنقل الشيء من الوجود بالإمكان إلى الوجود بالفعل، ولما كانت تمثل حقيقة الشيء أو جوهره، أمكن القول بأن فعل المعرفة كفعل الوجود، وهو ما عبر عنه المفكر الأمريكي Pedro Amaral بقوله:  To know something is just like being something  ويعني ذلك، حسب قوله، أن المعرفة هي المشاركة في الوجود.، وتعني المشاركة أسلوبا في الحياة ينسجم مع مبادئ الوجود الحقيقي. يتمثل فعل المعرفة، إذن، في قدرة العقل على أن يصبح كموضوعه، أو أن يكون مطابقا لموضوعه ومتماثلا معه، هذا مع العلم أن موضوع الفلسفة اليونانية هو الوجود بما هو موجود حسب تعبير أرسطو.
ينسجم هذا التصور للمعرفة إلى حد ما مع نظرية المعرفة الأرسطية. تتبلور المعرفة في نظر أرسطو من خلال تشكل صورة الشيء في العقل. فإذا كان العقل يدرك صور الأشياء، فإن تلك الصور تساهم بشكل أساسي في تشكل العقل. وهكذا يصبح العقل كموضوعه. ولذلك كان معيار الحقيقة في الفلسفة الأفلاطونية والفلسفة الأرسطية على حد سواء هو معيار التطابق أو التماثل بين الفكرة والموضوع.
وما قام به ديكارت هو أنه غير هذا التصور للمعرفة وكيفية تحققها رأسا على عقب: أفرغ العقل والعالم من الصور، وألقى بمبدأ التماثل جانبا وعوضه بعملية التمثل الذهني représentation؛ لم تعد المعرفة تتحقق من خلال تماثل العقل مع موضوعه، بل من خلال التمثل الذهني للموضوع بطريقة لا مكان فيها للتماثل الطبيعي. وإذا كانت غاية المعرفة في النظرية الأفلاطونية-الأرسطية هي تحقيق التماثل بين العقل والموضوع، فإن ديكارت انتقل بالمعرفة إلى مستوى أرقى من مستوى الإحاطة بالموضوع: لم يقف عند حدود تمثل الموضوع، بل جعل من التمثلات الذهنية نفسها موضوعا للتأمل العقلي، وبذلك دفع بعملية المعرفية إلى مستوى الميتا méta وهو التفكير في التفكير، وقادته تجربته الوجودية إلى اكتشاف بعد جوهري جديد من أبعاد الوجود الإنساني، ألا وهو الوعي conscience. ولأول مرة في تاريخ الفلسفة، ربما بعد ابن سينا (أنظر مقالتنا: "تطور مفهوم النفس من المعلم الأول إلى الشيخ الرئيس")، أصبحت لهذا المفهوم دلالة تتجاوز معنى الإدراك الباطني الفوري المباشر، إلا أن ديكارت لم يحدد دلالته بشكل صريح، و ظل يركز على بيان أهمية الوعي ودوره في حياة الإنسان.
الوعي باعتباره حجر الزاوية في بنية الشخص لدى ديكارت
يمثل الوعي في نظر ديكارت الصفة المميزة للإنسان، والعنصر الحاسم في تصوره لمفهوم الشخص، وتكمن وظيفته في كونه يمكننا من الإدراك الفوري للذات المفكرة.
يرى ديكارت بأن أكثر الأشياء وضوحا في هذا العالم هي الأفكار، وتنطوي تأملاته على مصادرة صريحة إلى هذا الحد أو ذاك مفادها أن هناك نوعا خاصا من النشاط المعرفي الذي يجعلنا على اتصال بتفكيرنا ويمكننا من التعرف عليه والإحاطة به والتحكم فيه، وبذلك تنكشف لنا طبيعة الفكر وطبيعة الذات المفكرة. وهذا مثال يوضح هذه الفكرة: يستطيع زيد أن يستوعب ويفهم عملية حسابية كعملية الجمع مثلا: 2+2=4 وهذه العملية الحسابية هي سلسلة من عمليات التفكير، وعندما نتأمل هذه السلسلة تنجلي طبيعة التفكير وطبيعة الذات المفكرة والموضوع المفكَّّر فيه، وهذه الأقانيم الثلاث هي مظاهر تجربتنا الذهنية. ولا يحتاج المرء إلى بذل أي مجهود لمعرفة أصل هذه التجربة المتمثل في الأنا المفكرة، أو الأنا الديكارتي، فهي تكشف عن نفسها بنفسها، ولا تستمد وجودها إلا من ذاتها باعتبارها ذاتا مفكرة، وهذه الذات مكتفية بذاتها، لا تحتاج في وجودها إلى شيء آخر. ولذلك لزم أن تكون السمة المميزة للشخصية هي الحرية. فالشخص الذي حصل له الوعي بذاته باعتباره ذاتا مفكرة، هو بالضرورة كائن حر.
وهكذا أصبح مفهوم الوعي عند ديكارت مرادفا لمفهوم الحرية..ذلك لأن الوعي يوجد في استقلال عن الجسد ولا يتأثر بالعامل البيولوجي ولا بعوامل المحيط الخارجي. ولكي تتضح الفكرة أكثر لابد من استعراض تصور ديكارت للإنسان، وهو ما يستلزم تسليط بعض الأضواء على المبادئ أو المصادرات الأساسية التي تقوم عليها فلسفته(*).
ذكرديكارت في رسالتين وجههما للملكة إليزابيتبتاريخ 21 مايو و 28 يونيو من عام 1643- واللتان يمكن اعتبارهما بمثابة ملخص مركزلنتائج "التأملات"- أن فلسفته الميتافيزيقية تقوم على ثلاثة مفاهيم أولية،تمثل في نظره المرتكزات الأساسية لكل معرفة إنسانية، وهي المفاهيم التيلدينا عن الروح، والجسد، والعلاقة بين الروح والجسد: يتعلق المفهوم الأول بتصورناللروح، ويشمل العقل والإدراك الحسي والإرادة ومختلف النوازع الانفعالية؛ ويتعلقالمفهوم الثاني بتصورنا للجسم، وهو مفهوم الامتداد الذي تُرَد إليه أشكال الأجساموهيئاتها وحركاتها؛ ويتعلق المفهوم الثالث بالعلاقة بين الروح والبدن، وهو مفهومالوحدة التي تتجلى من خلال قدرة الروح على تحريك البدن، وقدرة البدن على التأثير فيالروح وإثارة انفعالاتها.
يقوم تصور ديكارت للوجود بصفة عامة على ثنائية الروح والجسد: هناك، من جهة، عالم داخلي ذو طبيعة روحية ومن خصائصه التفكير وعدم الامتداد في المكان، ويشمل الأفكار والمعتقدات والانطباعات الحسية وكل التجارب الذاتية؛ وهناك، من جهة أخرى، عالم خارجي ذو طبيعة مادية، وما يميزه هو الامتداد وانتفاء القدرة على التفكير، ويشمل الأجسام الطبيعية والقوى الفيزيائية. وينطبق مبدأ ثنائية الوجود على الإنسان نفسه، وتتجلى من خلال ازدواجية الروح والبدن.
ميز ديكارت، إذن، بين الروح والجسد، ولكنه أقام بينهما علاقة، هي علاقة التفاعل المتبادل التي تجعل منهما وحدة أو كلية لا انفصام فيها، وهذه الوحدة هي ما يعبر عنه مفهوم الإنسان. ولكن، ما الذي يجعل هذه الوحدة ممكنة رغم الاختلاف الجوهري الموجود بين الروح والجسد ؟ يقدم لنا الدكتور Pedro V. Amaral من جامعة كاليفورنيا جوابا شافيا على هذا السؤال، يقول بالحرف الواحد:
"لم يكن ديكارت يتوفر على مثل ذلك البناء النظري الذي يقوم على نظرية الانسجام الأفلاطونية التي استعملها سواريز Suarez (الفيلسوف السكولائي الكبير) لدعم نظريته المتعلقة بوحدة الروح والجسد. وبالنتيجة فإنه كان على ديكارت أن يبتكر مفهوم "الوعي" consciousness” باعتباره العنصر الذي يقوم بالتنسيق بين نشاط العقل ونشاط الجسد(**).

ويعتبر الوعي بالذات، في نظر ديكارت، أكثر الأشياء وضوحا، فقد شك في وجود البدن وفي وجود العالم. وأما الشيء الوحيد الذي لا يطاله الشك فهو الوعي بالذات باعتبارها ذاتا مفكرة: فإذا كنت أشك، فإن معنى ذلك أني أفكر، وإذا كنت أفكر فإنني موجود؛ يمثل التفكير، إذن، قوام وجودي. هذه فكرة بديهية، وكذلك تعتبر الأفكار المتضمنة في الذات المفكرة أكثر الأشياء وضوحا على الإطلاق. ويمكن تعميم المبدأ الديكارتي على النحو التالي: إن ما يميز الإنسان هو وعيه بذاته، وهذا الوعي هو الذي يجعل منه كائنا متميزا، ويرقى به إلى مستوى الشخص الحر المستقل.

 

(