الهوية الشخصية في محك التجربة
الشخص والمستقبل:
تجربة الفيلسوف الإنجليزي برنارد وليامز
أحمد أغبال
قدم لنا الفيلسوف الإنجليزي المعاصر برنارد وليامز (1929-2003) Bernard Williams في الفصل الرابع تحت عنوان "الأنا والمستقبل" « The self and the future »:من كتابه "مشكلات الأنا" Problems of the self تجربة تذكرنا بالتجارب النظرية التي
كان يستعملها جون لوك من أجل تحديد مفهوم الشخص وبيان مقومات الهوية الشخصية. يشتمل هذا الفصل في الواقع على تجربتين نظريتين مختلفتين كان الهدف من ورائهما هو التأكد من الفرضية التي تقول بأن خصائص
الهوية الشخصية توجد في استقلال عن خصائص الجسد.
1- الوضعية المشكلة الأولى: تبادل
الأبدان
هب أن شخصين ولجا آلة، وقامت هذه الآلة بإفراغ جسد الشخص (أ) من ذاكرته وخصائصه السيكولوجية ونقلتها إلى حسد الشخص (ب) بعد أن أفرغته من
محتواه السيكولوجي ونقلته إلى بدن الشخص (أ)، ومعنى ذلك أن كل واحد منهما استبدل بدنه ببدن الآخر، وبذلك نحصل على الوضعية التالية:
|
|
قيل التجربة
|
بعد التجربة
|
|
الجسد (أ)
|
ذاكرة (أ)
|
ذاكرة (ب)
|
|
الجسد (ب)
|
ذاكرة (ب)
|
ذاكرة (أ)
|
ما الذي حصل للشخص (أ) ؟ لا يخلو:
1- إما أن الشخص (أ) لا زال هو البدن
(أ)؛
2- وإما أن يكون الشخص (أ) قد أصبح الآن هو البدن
(ب)،
3- وإما أن يكون الشخص (أ) في آن واحد هو البدن
(أ) والبدن (ب)،
4- وإما أن يكون الشخص (أ) قد كف عن
الوجود.
إذا سلمنا باستحالة أن يعود الجسد الواحد إلى شخصين مختلفين، لزم تشطيب الإمكانية رقم (3). أي من الإمكانيات الثلاث تنطبق على الشخص (أ)
؟ لو طرحنا السؤال على جون لوك، فماذا سيكون جوابه ؟ حتما، سيكون جوابه هو الإمكانية رقم (2)، لأن مفهوم الشخص يتحدد عنده بالخصائص السيكولوجية (الذاكرة والوعي). وهذا هو الموقف الصحيح على ما
يبدو.
لكن برنارد وليام أدخل على تجربته عنصرا جديدا، وجعلها تبدو أكثر تعقيدا: شملت التجربة الوضعية التالية:
قيل للشخصين: إنه بعد عملية استبدال الأبدان سيتعرض أحدهما لتعذيب شديد، بينما يُمنح الآخر هدية مالية مغرية. فلو طلب من الشخص (أ) أن
يختار بين أن يتعرض الشخص (ب) للتعذيب وبين أن يحصل على المال، فما الذي سيختاره على افتراض أنه سيتصرف بطريقة عقلانية وفقا لمصلحته الأنانية آخذا بعين الاعتبار أنه سيكون في بدن الشخص(ب)؟ يبدو، من
الناحية المنطقية، بأن الشخص (أ) سيفضل أن يحصل البدن (ب) على الهدية المالية وأن يتعرض البدن (أ) للتعذيب، وأن الشخص (ب) سيفضل أن يحصل البدن (أ) على الهدية وأن يتعرض البدن (ب) للتعذيب. يبدو أن هذا
الاختيار عقلاني إذا افترضنا بأن عملية استبدال الأبدان قد تحققت بالفعل بعد التجربة، وهو اختيار ينسجم مع نظرية جون لوك التي تقول بأن البعد السيكولوجي في الإنسان هو الذي يحدد الهوية
الشخصية.
ولما كان من غير الممكن تنفيذ الاختيارين معا في نفس الوقت لزم أن يتخذ القرار بخصوص من سيتعرض للتعذيب ومن سيحصل على الهدية بناء على
اختيار شخص واحد، وهو الشخص (أ). ومن هذا المنطلق سيشعر البدن (ب) بالمتعة لأنه حصل على الهدية المالية، ولما كانت ذاكرته الآن هي ذاكرة الشخص (أ) فسوف يحصل له الاعتقاد بأنه حصل على ما كان يرغب فيه.
وفي المقابل، سيشعر بدن (أ) بالإحباط والألم بسبب تعرضه للتعذيب، وسيحصل له الاعتقاد، ما دامت ذاكرته الآن هي ذاكرة الشخص (ب) بأنه لم يحصل على ما كان يرغب فيه.
وخلاصة القول أن كلا من الشخصين (أ) و (ب) تصرفا بطريقة عقلانية عندما اختار كل واحد منهما أن يتعرض جسده للتعذيب وأن يحصل جسد الآخر
على الهدية. يبدو للوهلة الأولى أنه ليس في الأمر ما يبرر خوف أي أحد منهما على نفسه من التعذيب بعد التجربة. ولما كان جسد كل واحد منهما سيتعرض حتما للتعذيب لزم أن يطرح برنارد وليامز فرضية
الخوف. ولكي يتسنى له فحص هذه الفرضية ابتكر تجربة ثانية
2- الوضعية المشكلة الثانية
أخبر الشخص (أ) أنه سيتعرض للتعذيب في أجل قريب. من البديهي أن يكون الخوف هو سيد الموقف عندما يعلم الشخص بذلك. إن الخوف في هذه الحالة
هو شيء معقول تماما، إنه موقف عقلاني.. ولتبديد مخاوفه وجعله يطمئن على نفسه أخبر بما يلي:
1- سيحدث شيء ما يجعلك تنسى خبر
التعذيب؛
2- سوف تنسى كل ما تتذكره
الآن؛
3- ستكون لك ذاكرة أخرى عن تجارب
الماضي؛
4- الذكريات التي ستكون بحوزتك هي ذكريات الشخص
(ب).
فهل من شأن هذه المعلومات أن تبدد مشاعر الخوف وأن تبعث في نفسه الشعور بالطمأنينة ؟
جواب برنارد وليامز هو أن المعلومات الإضافية لن تجعله الشخص (أ) يطمئن على نفسه. ذلك لأنه مهما كان الأمر، فإنه سيجد نفسه في وضعية
حرجة للغاية؛ إذ، لماذا سيطمئن على نفسه بسبب توفره على ذاكرة أخرى غير ذاكرته ؟ وحتى في حال ما إذا انتقلت روحه إلى جسد آخر بعد التجربة ، فما الذي سيبعث في نفسه الشعور بالطمأنينة أمام التعذيب
المرتقب ؟ يبدو أن نتيجة التجربة الثانية لا تنسجم مع نتيجة التجربة الأولى. ذلك أن التجربة الثانية توحي بأن استمرار الهوية الشخصية مرتبط باستمرار الجسد لا بالسمات والخصائص السيكولوجية. كيف يمكن
تفسير هذا التنافر؟
ربما تكمن المشكلة في طريقة عرض التجربة الثانية. والواقع، أن الوضعية الثانية تختلف عن الوضعية الأولى من حيث أنها تركز على الشخص (أ)،
بينما تقارن الوضعية الأولى بين اختيارات الشخص (أ) واختيارات الشخص (ب).
إن المعني بالأمر في الوضعية الثانية هو الشخص (أ)، فهو الذي سيتعرض وحده للتعذيب، ولعل ذلك هو ما جعل الإجابة تتجه نحو استمرارية
البدن. ولكن ليس هذا هو رأي وليامز: ذلك لأن الشخص (أ) يميل في كل مرحلة من مراحل الإعداد لتقبل التعذيب قبول التعليمات التي تعطى له، ولكنه عندما يفكر فيها يكتشف المبدأ الذي يبرر مخاوفه من التعذيب ،
وهو أن تجربة آلام الجسد التي يتوقع أن يمر بها في المستقبل القريب قد لا تَحُولَ الحالة النفسية التي سيكون عليها حينئذ دون وقوعها، ولذلك تكون مخاوفه مبررة ومعقولة. إنه من المعقول جدا أن يشعر بالخوف
من التعذيب المرتقب. فإن قيل له: عندما يحل بك التعذيب فإنك لن تتذكر ما قيل لك عنه من قبل: سيحدث أمر ما ينسيك الخبر كالتعرض للتخدير مثلا؛ ولكن هذا القول لن يجعله يطمئن إلى نفسك كثيرا، فقد ينتابه
الخوف من أن يتلاشى تأثير المخدر خلال فترة التعذيب. وإن قيل له: إنك لن تتذكر خبر التعذيب فحسب، بل إنك ستنسى كل ما يوجد في ذاكرتك الآن، فإن هذا القول لن يخفف من مخاوفه: فقد يتخيل أنه استفاق ووجد
نفسه تحت التعذيب في وضعية لا يعرف فيها من هو، ولا أين هو، ولا لماذا وجد حيث هو، حتى يجد نفسه تحت التعذيب، فسوف ينتابه خوف عظيم، ويكون هذا الخوف معقولا. وإن قيل له: إنك لن تتذكر ما يحضر
بذاكرتك الآن فحسب، بل ستكون لك ذاكرة شخص آخر مختلفة عن ذاكرتك اختلافا تاما، وسيكون لك طبع مماثل تماما لطبع شخص آخر وسمات نفسية كسماته، فهل سيجعله هذا الخطاب يطمئن على نفسه من التعذيب المرتقب ؟
وهل سيكون بإمكانه أن يبدد مخاوفه المعقولة ؟ يجيب برنارد وليامز بالنفي، وسيظل الخوف هو سيد الموقف باعتباره موقفا معقولا.
والملاحظ أن برنار وليامز حاول متعمدا تفادى الإشارة في الحالة الثانية إلى الشخص (ب)، ولم يشر إليه إلا مرة واحدة، في المعلومة الرابعة
التي أخبرته بأن الذكريات التي ستكون بحوزته هي ذكريات الشخص (ب)، مما يدل على أن الشخص (ب) ليس عنصرا من عناصر الخطة العامة للتجربة. إن الشخص المعني بهذه التجربة هو (أ) الذي يتعين عليه أن يتخذ
القرارات في ضوء مصلحته الأنانية دون أي اعتبار لما قد يحدث للشخص (ب). وإذا كان الأمر كذلك، وكان علينا أن ننظر إلى المسالة المطروحة من منظور الشخص (أ)، فإنه لن يكون هناك فرق في نظره بين أن
يأخذ جسد (ب) ذكريات الشخص (أ) أو أن يحتفظ بذكرياته هو؛ لأنه مهما كان الشخص الذي يجمع بين جسد (أ) وذكريات (ب)، فإنه سيظل هو هو، أي نفس الشخص، وسواء أكانت لجسد (ب) ذكريات (ب)، أو كانت لجسد (ب)
ذكريات (أ).
والنتيجة هي أن المخاوف المعقولة تمتد إلى تجربة الألم في المستقبل مهما كانت التغيرات الحاصلة على المستوى السيكولوجي قبل فترة التعرض
للتعذيب، مما يدل على أن اختلاف السمات السيكولوجية والذكريات لا ينشأ عنه بالضرورة اختلاف في الهوية الشخصية. ويستفاد من التجربة الثانية أيضا أن القرار العقلاني الذي يتعين على الشخص (أ) أن يتخذه في
التجربة الأولى هو أن يختار للبدن (أ) الهدية المالية بدل التعذيب. ولا يكون هذا الاختيار عقلانيا إلا إذا توفر للشخص (أ) مبرر معقول يحمله على الاعتقاد بأن جسد الشخص (أ) سيكون هو (أ). وما يبرر هذا
الاعتقاد هو أن خصائص حسد (ب) لا دخل لها في تكوين خصائص جسد (أ). وهذا ما يبرر استمرار الخوف.