Lundi 29 octobre 2007

 

المهارات المطلوبة لكتابة الإنشاء الفلسفي
نموذج تطبيقي
أحمد أغبال
إن الكتابة الفلسفية هي تفكير وتأمل واستدلال، وهذا ما يجعلها مختلفة عن أنواع الكتابة الأخرى، ويتطلب تعلمها اكتساب مهارات جديدة. ولقد أوضحنا في مقالتنا تحت عنوان: "كتابة الإنشاء الفلسفي"(*) قواعد هذه الكتابة وأشرنا فيها أيضا إلى المهارات التي يتطلبها إنجاز هذه المهمة التي ينظر إليها العديد من التلاميذ والطلبة على أنها مهمة عسيرة جدا.وبسب هذه النظرة السلبية يصابون بالارتباك بمجرد التفكير فيها، ويظهر ذلك في عدم القدرة على مواجهتها ومحاولة التملص أو التخلص منها بأي شكل من الأشكال. وإننا لنأمل في تغيير هذه النظرة من خلال تقديم بعض النماذج التطبيقية التي تبين كيفية التعامل مع الموضوعات الفلسفية خلال فترات الاختبار والامتحان. ويكمن الهدف من وراء هذه التجربة في:
§        خلق الوعي بالمهارات المطلوبة لكتابة الإنشاء الفلسفي؛
§        التدرب على استعمال هذه المهارات؛
§        التدرب على انتقاء وتوظيف المعارف المكتسبة وفقا لخطة العرض وإستراتيجيته؛
§        بعث الثقة في النفس والتحرر من الخوف عند مواجهة مهمة الكتابة الفلسفية.
وأما موضوع التدريب المقترح للتحليل وللمناقشة فهو عبارة عن قولة للفيلسوف الألماني عيمانويل كانط، والمطلوب هو فهمها، وتحليلها، ومناقشتها. يقول كانط:
"تصرف على نحو تُعامل معه الإنسانية دائما وأبدا، سواء في شخصك أو في شخص غيرك، كغاية، ولا تعامل أحدا البتة كما لو كان مجرد وسيلة فقط"
                                                                                           والمطلوب هو التحليل والمناقشة.
ماذا يتوقع من التلميذ أو الطالب القيام به عندما يطلب منه إنجاز مهمة كهذه ؟ يرى عالم النفس الأمريكي بنيمين بلوم (1913-1999) Benjamin Bloom أن المهام المعرفية التي يتعين على المتعلم إنجازها تنحصر في خمس مهام أساسية تتدرج في شكل هرم متراتب من أكثرها بساطة إلى أكثرها تعقيدا على النحو التالي:
 

 

التركيب
 
الـتـحلـيـل
 
الـتـطـبـيـــق
 
الـــفــهــــــــــم
 
الــتـــذكـــــــــــــــر
 
 
يمثل التذكر أكثر المهارات المعرفية بساطة، حيث يكتفي المتعلم بتذكر المعلومات المكتسبة وتوظيفها على النحو المطلوب. ويتطلب استرجاعها أن تكون منظمة في الذاكرة ومترابطة فيما بينها بطريقة تجعل من السهل استرجاعها عند الضرورة وتوظيفها بشكل فعال وهادف في الكتابة الفلسفية. وما يتعين عليك تذكره في هذه الحالة هو المبدأ الأخلاقي المتمثل في الأمر المطلق الذي تقوم عليه نظرية الأخلاق عنده، وأن تتذكر تعريفه لهذا المبدإ.
ولكن الأهم في الأمر هو أن تفهم المبدأ المشار إليه، إذ من السهل أن تحفظ عن ظهر قلب القول المذكور الذي أصبح قولا مأثورا دون أن تفهم معناه ودلالته. ولذلك يجب أن تتأكد من أنك فهمت دلالة المفاهيم الواردة في القولة والمبدأ الذي تنطوي عليه. ولكي تقنع القارئ بأنك فهمت الموضوع، فإنه يتعين عليك تعريف المفاهيم وإعادة صياغة المبدأ بأسلوبك الخاص. وإن لم تتمكن من إنجاز هاتين المهمتين فمعنى ذلك أنك لم تفهم الموضوع. ولمساعدتك على مقاربة الموضوع بطريقة تمكنك من فهمه أدعوك إلى الإجابة على الأسئلة التوجيهية التالية:
§        ماذا يقصد كانط بقوله:" تصرف على نحو تُعامل معه الإنسانية دائما وأبدا...كغاية" ؟
§        لماذا استعمل صيغة الأمر في هذه الجملة ؟
§        استنتج من جوابك ما إذا كانت قولة كانط تنطوي على تعريف ما، أو مبدأ ما، أو برهان ما، أو على نتيجة برهان ما.
§        لماذا يجب التعامل مع أي أحد كغاية لا كوسيلة ؟ كيف يستدل على ذلك ؟
§        ضع مضمون القولة في سياق فلسفة كانط وانظر إليه في ضوء تصوره للعقل العملي
إن توصلت إلى أن القولة تنطوي على مبدأ أخلاقي عام، وأضفت: وهو الأمر المطلق غير المقيد بشروط والذي أسس عليه كانط نظريته في الأخلاق، فقد قطعت شوطا مهما في اتجاه فهم الموضوع.
ويتعين عليك بعد ذلك أن تقنع القارئ بأنك فهمت هذا المبدأ جيدا من خلال إعادة صياغته بأسلوبك الشخصي، كأن تقول مثلا: إن هذا المبدأ هو القاعدة الأخلاقية الأساسية التي يجب أن توجه سلوكنا، وتقضي بأن نحترم الآخرين ونحترم أنفسنا، وأن نلتزم دائما بعدم استغلال الآخرين أو التعامل معهم كما لو كانوا مجرد مطية لبلوغ مآربنا الأنانية. تنطوي القولة ، إذن، على المبدأ الذي تنبني عليه نظريته في الأخلاق، وتبين كيفية تطبيقه على المستوى العملي في حياتنا اليومية.
ولكي تثبت أنك حققت درجة عالية جدا من الفهم يتعين عليك بالإضافة إلى ما سبق أن تقوم بتحليل المفاهيم الواردة في القولة وتكشف عن الأبعاد الدلالية للقاعدة الأخلاقية التي تنطوي عليها والعلاقات الموجودة بينها، وتقول مثلا:
: إن الأمر المطلق هو القاعدة الوحيدة الممكنة والضرورية لتأسيس الأخلاق على اعتبار أن العقل هو مصدرها وليس التجربة. وإذا أردنا أن نعبر عن هذه الفكرة بلغة كانط ومفاهيمه لقلنا إن مبدأ الأمر المطلق هو مبدأ قبلي ومتعالي، أي سابق على التجربة، وهو مطلق وغير مقيد بشروط،  ومعنى ذلك أنه مستقل عن أية مصلحة شخصية وعن الملابسات الظرفية والأهداف الخاصة، ولا يعبر بالتالي إلا عما ينبغي أن يكون باعتباره الواجب الذي لا مناص منه، ولهذه الاعتبارات يسمي كانط مبدأه الأخلاقي هذا بمبدأ استقلال الإرادة. ويدل مفهوم الاستقلال، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، على التعالي، والمقصود بذلك أنه متعالي عن ظروف الزمان والمكان ولا يتأثر بها، ومعنى ذلك أيضا أنه مبدأ ذو صلاحية كونية. فما هو دليل كانط على أن لهذا المبدأ صلاحية كونية ؟ 
إن ما يبرر الصلاحية الكونية لمبدأ الواجب الأخلاقي في نظر كانط هو وجوده القبلي في العقل الخالص؛ فبما أن العقل واحد بالنسبة للبشرية جمعاء فإنه لابد أن تكون له صلاحية كونية. إن وجوده القبلي في العقل الخالص هو الذي يجعل منه قانونا أخلاقيا يفرض نفسه على الضمير البشري كواجب يجب أن  يلتزم به كل فرد دائما وأبدا مهما كانت الظروف. وكذلك فإن ما يبرر دعوة كانط إلى الصلاحية الكونية لمبدأ الواجب الأخلاقي هو إيمانه بأن الإرادة الخيرة التي تهتدي في وجودها بمبدأ معين  هي الشيء الوحيد الذي يعتبر خيرا في ذاته، إن الإرادة الخيرة التي تريد الخير لنفسها ولغيرها هي الخير في ذاته. وإذا كان لابد للإرادة الخيرة أن تكون مبدئية في مساعيها فإن المبدأ الوحيد الذي يجب أن تعمل به بحكم طبيعتها الخيرة فهو مبدأ الأمر المطلق الذي يقضي بأن ننظر إلى أي إنسان على أنه قيمة في حد ذاته، وبسبب ذلك وجب احترامه احتراما غير مشروط.
يتمثل المعنى الجوهري للاحترام في الفلسفة الأخلاقية لكانط في التعامل مع الغير باعتباره غاية لا باعتباره وسيلة أو مطية لتحيق المصالح الأنانية. ذلك لأن ما يعتبر غاية في ذاته هو كل ما يستمد قيمته من ذاته ويتمتع بالتالي بالاستقلال الذاتي الذي يعني استقلال الإرادة. ولذلك يعتبر كانط استقلال الإرادة أساس الكرامة الإنسانية، وجعل منه القانون الأخلاقي الكوني الذي يجب على كل فرد احترامه. يقتضي هذا المبدأ بأن يختار كل فرد بحرية الأهداف والغايات التي يريد تحقيقها. إن ما يجعل من الإنسان شخصا ذو كرامة هو استقلال الإرادة وحرية اختيار الأهداف والغايات وفقا لمبدأ الواجب الأخلاقي. وهذا ما جعل كانط يعتبر احترام الاختيارات العقلانية لأي شخص أسمى الفضائل الأخلاقية.
وعندما تقوم بشرح مضمون القولة ومفاهيمها الأساسية وبينت علاقاتها، وتعبرت عن ذلك كله بأسلوبك وعباراتك الشخصية تكون قد أقمت الدليل على أنك فهمت المبدأ الأخلاقي الذي تقوم عليه الفلسفة الأخلاقية الكانطية، وأقنعت المصحح على أنك اكتسبت مهارة الفهم ومهارة التحليل وأنك قادر على تنميتهما وتطويرهما أكثر فأكثر في المستقبل القريب. ويمكنك في هذا السياق أيضا أن تثبت له أنك تتقن مهارة التطبيق. وتتمثل هذه المهمة في أن تختار بعض الأمثلة التي توضح البعد الإجرائي أو العملي للمبدإ الأخلاقي الكانطي وتطبقها لحل بعض المشكلات الأخلاقية التي تواجه الإنسان في حياته. وعندما تنجز هذه المهمة تكون قد ارتقيت بمهارة الفهم إلى مستوى أعلى، لأن مهارة الفهم لا تنحصر في شرح الأفكار والتعبير عنها بالأسلوب الشخصي، بل تتعدى ذلك إلى القدرة على استعمالها لحل المشكلات ومعالجة مختلف القضايا التي تواجهنا في حياتنا اليومية. وفيما يلي أمثلة اخترتها لك لتحقيق الغرض المنشود:
 
 إن السلوك الأخلاقي، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، هو السلوك الذي يخضع للمبدأ الكوني المتمثل في الأمر المطلق، والذي يلزمنا بأن تتصرف في ظروف معينة بنفس الطريقة التي يجب أن يتصرف بها كل فرد في نفس الظروف. إن التصرف وفقا للمصلحة الخاصة أو الأهداف الخاصة لا يمت إلى الأخلاق بصلة. فإن كنت تعتقد، مثلا، بأن الالتزام بقول الحقيقة دائما هو سلوك جيد، لأن قول الحقيقة يبعث في نفسك مشاعر الارتياح والسعادة، فإن سلوكك هذا لا يعتبر أخلاقيا في نظر كانط ما دام الباعث عليه هو الدافع السيكولوجي المتمثل في الرغبة في تحقيق نوع من السعادة أو الرضا عن النفس؛ ولا يمكن اعتباره سلوكا أخلاقيا ما لم يكن الباعث هو مبدأ الواجب الأخلاقي. إن قول الصدق إرضاء للنفس لا يكتسي أية دلالة أخلاقية في نظر كانط. 
ولبيان هذه الفكرة ضرب لنا كانط نفسه مثلا في كتابه "المبادئ الأساسية لميتافيزيقا الأخلاق" برجل يفكر في الانتحارذ؛ وكان هدفه من وراء هذا المثال هو إقناع القارئ بأن سلوك الانتحار ليس له مبرر كوني. وأما دليله في ذلك فهو استحالة أن يصير قرار الانتحار في ظروف معينة قاعدة بالنسبة لكل من يواجه نفس الظروف. يقول كانط بالحرف الواحد: "إن المنتحر على خطأ، لأنه لو كان مصيبا في قراره بقتل نفسه لوجب أن يدمر كل واحد نفسه". والمقصود بهذا القول هو أن الانتحار ليس واجبا كونيا يُلزم كل من وجد نفسه قي ظروف مماثلة لظروف المنتحر بوضع حد لحياته، ولا يمكن أن يصير قاعدة ذات صلاحية كونية ما دامت البواعث السيكولوجية كحب الذات أو عدم الرضا عن الحياة هي التي تقف خلفه؛ وطالما أنه لا يستند إلى قاعدة كونية ملزمة فلا قيمة له من الناحية الأخلاقية.
ولما كان مبدأ حرية الإرادة والاختيار هو مصدر الأخلاق فإن الانتحار يعني تدمير أسس الأخلاق والكرامة الإنسانية. يقول كانط بهذا الصدد: "إذا كانت الحرية هي شرط الحياة، فإنه لا يمكن استعمالها للقضاء على الحياة، لأنه باستعمالها ستكون قد دمرت وألغت نفسها. إن استعمال الحياة لتدمير الحياة ذاتها، أو من أجل فقدان الحياة [ينطوي على] تناقض ذاتي". وما يمكن استخلاصه من هذا المثال هو أن الحفاظ على الحياة هو مبدأ أخلاقي كوني يجب احترامه، لأن تدمير الحياة (الجسد) هو تدمير للإرادة أيضا.
ولكن، ماذا لو قيل لكانط: إن الأخلاق كما تقول تقتضي احترام إرادة الآخرين واختياراتهم، ولذلك يجب أن نحترم إرادة من اختار وضع حد لحياته، لأن احترام اختيارات الآخرين فضيلة أخلاقية سامية كما تقول. فماذا سيكون جواب كانط ؟ ثم ماذا لو تعارض مبدأ الحفاظ على الحياة مع المبدأ الأخلاقي ؟ هل نضحي بالحياة من أجل المبدأ ؟ وماذا بالنسبة للموت الرحيم ؟ هل يعتبر مقبولا من الناحية الأخلاقية ؟
وبطرحك لمثل هذه الأسئلة ستكون قد انتقلت إلى مرحلة أرقى في معالجة الموضوع وهي مرحلة ال
par Ahmed AGHBAL publié dans : دروس
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Dimanche 28 octobre 2007

المهارات المطلوبة لكتابة الإنشاء الفلسفي
نموذج تطبيقي
 
وبطرحك لمثل هذه الأسئلة ستكون قد انتقلت إلى مرحلة أرقى في معالجة الموضوع وهي مرحلة التركيب والمناقشة.
سأتركك عزيزي القارئ وحيدا في مواجهة هذه الأسئلة، وأدعوك إلى التفكير فيها في ضوء فلسفة الأخلاق الكانطية.
لنعد الآن إلى استكمال الحديث عن الموضوع على مستوى مهارة التركيب التي تشمل المقارنة والتقابل والمناقشة والتقويم. وقد اخترت لتحقيق هذه المهمة إستراتيجية تهدف إلى إظهار مواطن الضعف في فلسفة الأخلاق الأرسطية منظورا إليها في ضوء فلسفة كانط، للدفع بالقارئ إلى تقدير مدى أهمية الفلسفة الأخلاقية لكانط في العصر الحديث الذي أصبحت فيه النوازع الذاتية ومختلف أشكال التعصب الديني والثقافي والعرقي تفرق بين البشر وتتسبب في حروب مدمرة. إن الرسالة التي يحملها هذا التحليل بين طياته هو أن المبدأ الأخلاقي المتعالي هو الكفيل وحده بمد جسور التواصل بين بني البشر على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والثقافية والدينية ، لأنه يلزما بالتعامل مع الآخر باعتباره غاية لا باعتباره وسيلة لتحقيق مِأربنا على حسابه. أواصل:
لقد جاء كانط بفلسفة جديدة في الأخلاق تختلف اختلافا جوهريا عن الفلسفات السابقة وعلى رأسها فلسفة الأخلاق الأرسطية التي نالت حظوة خاصة في الأوساط الفلسفية واللاهوتية على امتداد قرون عديدة. ولذلك سنكتفي هاهنا بإجراء مقارنة بين أخلاق كانط وأخلاق نيكوماخوس لبيان ما إذا كانت العلاقة بينهما هي علاقة نفي وتجاوز وقطيعة.
وبذلك تكون قد وضعت فلسفة كانط في سياقها التاريخي العام. تندرج القدرة على وضع الفكرة في سياقها العام وربطها بأفكار أخرى على سبيل المقارنةوالتقابل ضمن مهارة التركيب. لنواصل الحديث والمناقشة في هذا الإطار إذن:
نرتكز فلسفة الأخلاق الأرسطية على مصادرة مفادها أن غاية الحياة هي الخير الأسمى المتمثل في السعادة. وإذا كان أرسطو قد جعل من السعادة أسمى الفضائل الأخلاقية كلها فلأنه كان يعتقد أنها غاية الغايات أو الغاية النهاية المطلوبة لذاتها؛ وأما الفضائل الأخلاقية الأخرى فهي بالنظر إلى الخير الأسمى وسائل أو غايات مرحلية على الطريق المؤدية إليه. ما وجد الإنسان إلا ليعيش حياة سعيدة، هذا هو المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه فلسفة الأخلاق عند أرسطو والذي يجب أن يوجه السلوك العقلاني للإنسان. يمكن القول بعبارة واحدة: إن الفضيلة هي العمل بالعقل في اتجاه الخير الأسمى، وهو السعادة التي يعتبرها أرسطو غاية في ذاتها..
لا يتفق كانط مع هذه النظرية جملة وتفصيلا، ولذلك حاول نفيها وتقويض أسسها. ومن مآخذه الأساسية على أرسطو أنه أسس نظريته في الأخلاق على مبدأ أمبريقي سيكولوجي (السعادة)؛ ذلك لأنه لا يمكن تأسيس أخلاق ذات صلاحية كونية بناء على نزعة ما من نوازع الطبيعة الإنسانية، ولا يجوز أن نجعل من رغبتنا في السعادة مبدأ الأخلاق لأن الرفاهية لا تنسجم دائما مع الخير والفضيلة، إذ "من الصعب، حسب تعبير كانط، أن تجعل المرء سعيدا انطلاقا من جعله خَيِّرا"، هذا بالإضافة إلى أن مفهوم السعادة إذا نظرنا إليه من وجهة نظر تحليلية فسنجد أنه لا يتضمن مفهوم الخير الأسمى ولا يمكن استنباطه منه منطقيا. وبالتالي فإن هذا المفهوم لا يصلح كمعيار للتمييز بين الفضيلة والرذيلة ولا يُمَكِّنُ من تقدير ما إذا كانت للسلوك قيمة أخلاقية أم لا. هنا يكمن النقص الأساسي في نظرية الأخلاق الأرسطية في نظر كانط.
وإذا كان كانط يتفق مع أرسطو في أن الإنسان كائن عاقل وأن عليه أن يهتدي في تصرفاته بنور العقل، فإنه يختلف معه في أن يكون العقل دائما هو القوة الوحيدة التي تحرك الإنسان في سعيه نحو تحقيق السعادة، فكثيرا ما تكون الغريزة هي الدافع إلى ذلك. يبدو وكأن أرسطو لا يفصل بين الفكر والرغبة، بين المبدإ العقلي والمبدإ السيكولوجي (الرغبة) في السلوك الأخلاقي. ولما كانت الرغبات تختلف من فرد لآخر فإنه لا يمكن الارتقاء بالمبدإ الأخلاقي الأرسطي إلى مستوى الصلاحية الكونية. ولذلك اقترح كانط ضرورة الاعتماد في بناء الأخلاق على مبدأ قبلي متعالي غير مستمد من التجربة وهو الأمر المطلق غير المشروط بأية رغبة أو نزعة من نوازع النفس الإنسانية. إن تحرير المبدأ الأخلاقي من الرغبة هو الشرط الضروري الذي لا غنى عنه لمعرفة ما إذا كان السلوك أخلاقيا أم أنه خال من أية قيمة أخلاقية، وهو السبيل أيضا إلى تحقيق الصلاحية الكونية للأخلاق من خلال مقاومة الرغبات الذاتية. ومن هذا المنطلق رفض كانط أن تكون السعادة هي الخير الأسمى. وكان لابد أن يعيد تحديد مفهوم الخير الأسمى، حيث عَرَّفَه بأن الخير غير المشروط بأية رغبة أو مصلحة خاصة. وكأنما أراد أن يقول: قم بالواجب امتثالا للقانون الأخلاقي ولا تنتظر أية مكافأة مادية أو معنوية. هذا ما يضفي على السلوك قيمة أخلاقية. وعندما يكون الهدف هو تحقيق رغبة أو نزوة مهما كانت جيدة وبريئة وخَيِّرَةََ فإن السلوك لا تكون له أية قيمة أخلاقية، ولا يمكن القول عنه بأنه أخلاقي أو لاأخلاقي، إنه سلوك محايد من الناحية الأخلاقية.
وخلاصة القول: إن السلوك الأخلاقي في نظر كانط هو السلوك الذي يمليه مبدأ الواجب وليس مبدأ الرغبة مهما كانت خَيِّرَةََ. ومعنى ذلك أيضا أن الخير لا يصلح لأن يكون معيارا للأخلاق، لأن ما يسعد البعض قد لا يسعد البعض الآخر؛ ومما يترتب عن ذلك أن عدم القدرة على فعل الخير لا يعتبر إخلالا بالمسؤولية الأخلاقية، على اعتبار أنه لا يوجد في الأمر المطلق ما يلزم بكسب السعادة، لآن السعادة مثل أعلى مصدره الخيال لا العقل. وعلى العكس من ذلك فإن عدم الالتزام بالواجب هو إخلال خطير بالمسؤولية الأخلاقية المتمثلة في ضرورة احترام الأمر المطلق المتأصل في العقل الخالص. وإن كان هناك شيء يمكن اعتباره خيرا في ذاته فهو الإرادة الخيرة، وليس السعادة كما يعتقد أرسطو.
عزيزي القارئ سأتوقف عند هذا الحد، وأدعوك إلى تأمل هذه النتائج، وإلى اتخاذ موقف من فلسفة هذا وذاك، على أن تدعم موقفك بحجج وأدلة مقنعة. هل تتفق مع المبدإ الأخلاقي الكانطي أم مع المبدإ الأرسطي ؟ هل أقنعتك حجج هذا الفيلسوف أو ذاك ؟ كيف ذلك ؟ وإن لم تقتنع برأي ما فبين أسباب عدم اقتناعك. حاول أن تخرج بنتيجة واضحة وبين قيمتها الفلسفية والعملية في ضوء قضايا العصر الذي تعيش فيه. كن صبورا ومواظبا، واستعن ببعض المراجع. أتمنى لك التوفيق.   
 
par Ahmed AGHBAL publié dans : دروس
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Lundi 22 octobre 2007
كيف يمكن التحقق من صدق البرهان
أحمد أغبال
 
" إن من لا يعرف موقفا آخر غير موقفه من مسألة معينة لا يعرف إلا النزر القليل عن موضوع الخلاف. وقد تكون حججه جيدة لم يفلح أحد في دحضها. ولكن، إذا كان هو نفسه عاجزا أيضا على دحض حجج غريمه، وإن لم يكن حتى على علم بها، فإنه لا مبرر له في تفضيل موقف عن آخر"
                                                                                                         جون ستوارت مِل
يعرف الاستدلال بأنه عملية من العمليات العقلية العليا التي تمكن من استنتاج قضية (النتيجة) من قضية أو مجموعة من القضايا (المقدمات=الحجج) تلزم عنها بالضرورة منطقيا. فإذا كانت المقدمات صادقة وكانت عملية الاستنباط المنطقي سليمة تراعي قوانين المنطق فإن النتيجة تكون صادقة ويكون قبولها أمرا محتوما؛ ويعتبر البرهان صحيحا إذا كانت قضاياه صادقة وكان شكله سليما. والمقصود بشكل البرهان بنيته المنطقية التي يمكن تبينها بوضوح عندما تستبدل العبارات بالرموز، وذلك على النحو التالي: كل أ هي ب؛ بعض أ هي ج؛ إذن، بعض ب هي ج. إن شكل البرهان في هذه الحالة سليم.
الاستدلال، إذن، هو الطريقة المنطقية لتبرير نتيجة ما، وخلال هذه العملية يطلب منك التسليم أو التصديق ببعض القضايا، وإذا سلمت بها لزم أن تأخذ بالنتيجة المترتبة عنا، كأن يقال لك مثلا:
هل تسلم معي بان القضية ج1 صادقة ؟ ...طيب.
وهل تسلم مع بأن القضية ج2 صادقة ؟ ...طيب.
وهل تسلم مع بأن القضية ج3 صادقة ؟ ...طيب.
(...)
وهل تسلم معي بأن القضية ج س صادقة ؟ ...طيب
إذن يجب أن تقبل النتيجة ن.
وهذا مثال نموذجي من تاريخ الفلسفة، وهو عبارة عن نص رائع للفيلسوف اليوناني بارمنيدس Parménideيبرهن فيه على أن الوجود قديم لا بداية له ولا نهاية: غير مخلوق وغير قابل للفناء:
"هيا معي، سأحدثك عن طرق البحث الوحيدة المفتوحة أمام العقل، ولسوف تفهمني:
إحداها، أن الوجود موجود، وأن اللاوجود غير موجود. إنه سبيل اليقين الذي يرافق الحقيقة.
والأخرى، أن الوجود غير موجود، وأن اللاوجود موجود بالضرورة، وهو السبيل الذي لا يجب أن يغريك بالسير فيه أبدا.
إذ لا يمكنك معرفة ما لا يوجد، ولا أن تدركه أو تعبر عنه.
لأن الفكر والوجود شيء واحد.
يجب أن تفكر وأن تقول ما يوجد، لأن الوجود موجود.
اللاوجود غير موجود، هذا ما أحثك على الإعلان عنه.
إنني أنصحك بعدم السير في طريق البحث التي يتيه فيها عامة الناس الذين لا يعلمون شيئا..
فهم يعتقدون أن الوجود واللاوجود شيء واحد (...)
ليس هناك سوى سبيل واحد من سبل الخطاب،
وهو أن الوجود موجود، وهناك أدلة كثيرة على أنه غير مخلوق وغير فان، وأنه كوني، واحد، ثابت، ولا نهاية له.
ما كان غير موجود في الماضي، ولن يكون غير موجود في المستقبل، هو موجود الآن في كليته، واحد باستمرار. لأنه، أي أصل تريد أن يكون للوجود ؟
من أين له أن ينشأ وفي أي اتجاه يمكنه أن يترعرع ؟ هل نشأ عما ليس موجودا ؟
لن أسمح لك لا بقول هذا ولا بالتفكير فيه، لأنه، لا يعقل أن يكون الموجود غير موجود، كما أنه لا يمكن التعبير عما ليس موجودا.
إذ، ما الذي سيضطره للنشوء عاجلا أو آجلا من لاشيء ؟
يجب أن يكون تاما أو لا يكون.
وكذلك فإن قوة العقل لن تسمح لك بأن تخرج مما يوجد شيئا آخر [غير موجود].
وبالتالي، فإن العدالة تقتضي ألا يقبل [الوجود] لا النشأة ولا الفناء (...)
فإما أن يكون أو لا يكون. ولكننا قررنا التخلي عن إحدى الطرق، وهي الطريق التي يستحيل فيها الفهم والتعبير وبلوغ الحقيقة، وتقرر السير في الطريق الأخرى، طريق [الإيمان] بأن الوجود موجود حقيقة.
ولكن، كيف يمكن لما يوجد أن يوجد [على نحو آخر] في المستقبل ؟
كيف يمكنه أن يصير [شيئا آخر=اللاوجود] ؟
فإن صار [شيئا آخر] فلن يكون له وجود، وهذا القول ليس أكثر إيغالا في الخطأ من قول قائل إنه وجب أن يوجد يوما [بعد أن لم يكن].
وهكذا تُستبعد النشأة والموت الذي لا يمكن تفسيره."
ينطوي هذا الاستدلال على نوعين من البرهان: يهدف أحدهما إلى إثبات قضية معينة، بينما يسعى الآخر إلى تفنيد القضية النقيض. وإذا كان استدلال بارمنيدس قد اتخذ طابعا جدليا، فلأنه أراد أن نسلم معه بصدق القضية التي تقول بأن "الوجود موجود"، باعتبارها الحقيقة الوحيدة الممكنة، ليجعل منها مقدمة لبرهانه على قدم العالم وعدم قابليته للفناء، وبذلك يكون قد استعمل نتائج البرهان على بطلان القضية التي تقول بأن "الوجود غير موجود" لتأكيد بدهية القضية السابقة. وأما دليله على بطلانها فهو استحالة التفكير في اللاوجود أو معرفته أو التعبير عنه بواسطة اللغة.  
وإذا التزمنا مع بارمنيدس بالسير على طريق العقل، وسلمنا معه بأن "الوجود موجود" وبأن "اللاوجود غير موجود" طبقا لقوانين المنطق (مبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض)، فإنه يتعين علينا القبول بالنتائج المترتبة عن هذه المقدمة التي أصبحت تفرض نفسها على العقول كبديهية لم يبق مجال للشك فيها. وسوف أعيد ترتيب القضايا المستنبطة من المقدمة الرئيسية على النحو الذي يجعل بنية البرهان واضحة وجلية:
إذا كان الوجود موجودا،
فلا يجوز القول بأنه لم يكن موجودا في الماضي،
لأن القول بأنه لم يكن موجودا معناه أنه صدر عن شيء غير موجود.
وهذا غير مقبول، لأننا استبعدنا أن يكون اللاوجود موجودا.
كما أنه لا يجوز القول بأنه لن يكون موجودا في المستقبل.
لأننا استبعدنا أن يكون الوجود غير موجود.
لم يخرج الوجود، إذن، من العدم، ولن يصير عدما
ويلزم عن ذلك أن الوجود دائم الحضور في كليته:
كان، ولا يزال، وسيظل موجودا إلى الأبد.
إنه ثابت، لا حركة فيه ولا تغير
لأنه لو تغير لصار شيئا آخر
والآخر بالنسبة للوجود هو اللاوجود
"وهكذا تُستبعد النشأة والموت الذي لا يمكن تفسيره"
ومعنى ذلك أن الوجود لم يخلق من عدم ولن يلحقه الفناء.
والنتيجة هي أن الوجود لا "يولد" ولا "يموت". فإذا قبلت المقدمات، فإنه يتعين عليك قبول النتيجة، إذ، ما الذي يجعلك تقبل المقدمات وترفض النتائج إذا كانت البرهان سليما خاليا من التناقض؟ طبعا، يجب أن تفحص البرهان لتتأكد من سلامته، وهذه هي الإجراءات العملية التي يتعين عليك القيام بها خلال عملية التحليل المنطقي للاستدلال من أجل التأكد من صحته:
§         فحص القضايا لمعرفة ما إذا كانت صادقة أو غير صادقة؛
§         التمييز في القضايا بين المقدمات والنتائج؛
§         التأكد من صحة البرهان من خلال الكشف عن بنيته وبيان ما إذا كان شكله سليما أو غير سليم؛
§         الحكم على النتيجة: فإذا كانت المقدمات صادقة وكان شكل البرهان صحيحا اعتبرت النتيجة صادقة.
ويشترط في الاستدلال أن تكون جميع القضايا صادقة وأن يكون البرهان صحيحا، لذلك يتوجب عليك فحص الحجج (القضايا) وشكل البرهان فحصا دقيقا، فكثيرا ما يقدم لك البعض حججا براقة لتبرير نتيجة مغلوطة، وهذا ما يسمى بالسفسطة؛ فقد تكون جميع القضايا صادقة بينما يكون شكل البرهان معتلا وغير صحيح. وقد يكون شكل البرهان صحيحا بينما تكون قضاياه غير صادقة. يبين الجدول التالي الحالات الممكنة بخصوص العلاقة بين شكل البرهان الاستنباطي ومضمونه:
 
القضايا
البرهان
كل إنسان فان .................................. سقراط إنسان...........................
إذن سقراط فان........................
صادقة
صادقة
صادقة
 
صحيح
كل الثدييات لها أجنحة................
الزواحف من فصيلة الثدييات........
إذن كل الزواحف لها أجنحة..........
غير صادقة
غير صادقة
غير صادقة
 
صحيح
تقع طنجة شمال المغرب.............
ابن بطوطة من مدينة طنجة..........
إذن طنجة مدينة ساحلية..............
صادقة
صادقة
صادقة
غير صحيح
إذا كان زيد يملك كل آبار النفط   في منطقة الخليج فهو إذن غني..........
زيد لا يملك كل آبار النفط في منطقة الخليج، فهو إذن ليس  غني.....................................
 
صادقة

 

غيرصادقة 
 
غير صحيح
كل الأسماك من فصيلة الثدييات.....
كل الحمير أسماك......................
إذن كل الحمير من فصيلة الثدييات..
غير صادقة
غير صادقة
صادقة
 
صحيح
كل الكلاب لها أجنحة.................
كل جرو له أجنحة ....................
إذن كل جرو كلب.....................
غير صادقة
غير صادقة
صادقة
غير صحيح
وعندما يقوم الفيلسوف بنقد نظرية ما، فإن أول ما يقوم به هو تحليل أسس الاستدلال التي تنبني عليها، فيعمد إلى فحص المقدمات لبيان مدى صدقها وما إذا كان من الجائز منطقيا استنباط النتيجة منها. وهذا بالضبط هو ما فعله الفيلسوف عيمانويل كانط حين تصدى لنقد مثالية ديكارت والسيكولوجيا العقلانية بصفة عامة. وانصب النقد على المصادرات الأساسية التي ترتكز عليها نظريات علم النفس العقلاني لبيان بطلانها ومدى زيف أسلوب البرهنة عليها. وتنحصر المصادرات المستهدفة فيما يلي:
§        الروح جوهر؛
§        وأنها بسيطة غير مركبة؛
§        وأنها تظل ذاتا واحدة في مختلف الأزمنة؛
 
par Ahmed AGHBAL publié dans : دروس
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Dimanche 21 octobre 2007

كيف يمكن التحقق من صدق البرهان
(تابع)
وعندما يقوم الفيلسوف بنقد نظرية ما، فإن أول ما يقوم به هو تحليل أسس الاستدلال التي تنبني عليها، فيعمد إلى فحص المقدمات لبيان مدى صدقها وما إذا كان من الجائز منطقيا استنباط النتيجة منها. وهذا بالضبط هو ما فعله الفيلسوف عيمانويل كانط حين تصدى لنقد مثالية ديكارت والسيكولوجيا العقلانية بصفة عامة. وانصب النقد على المصادرات الأساسية التي ترتكز عليها نظريات علم النفس العقلاني لبيان بطلانها ومدى زيف أسلوب البرهنة عليها. وتنحصر المصادرات المستهدفة فيما يلي:
§        الروح جوهر؛
§        وأنها بسيطة غير مركبة؛
§        وأنها تظل ذاتا واحدة في مختلف الأزمنة؛
§        ولا يحصل لها الوعي إلا بوجودها هي، بينما تظل الأشياء الأخرى مجرد تمثلات.  
ولقد حاول ديكارت إثبات هذه القضايا بواسطة منطق الكوجيطو الاستنباطي الذي اعتبره كانط برهانا زائفا: فعندما يقول ديكارت: "أنا أفكر، إذن، أنا موجود"، ويقصد بذلك أنه موجود كـ"شيء يفكر" أو كجوهر خاصيته التفكير،  يعترض عليه كانط بقوله إنه لا يجوز استنباط الوجود (الجوهر) من الصفة. فعندما يقول ديكارت: "أنا أفكر"، فإن الأنا هنا هي الأنا المتعالية، إنها مقولة من مقولات المنطق المتعالي، وهي الشرط الضروري لقيام المعرفة لا لقيام الوجود، وتتمثل وظيفتها في الجمع بين التركيبات المعرفية في إطار وحدة متكاملة.
تؤدي الـ"أنا أفكر" إذن وظيفة منطقية، وليس في هذه الوظيفة ما يسمح باستنتاج أن الأنا جوهر ميتافيزيقي ذو خصائص معينة كما فعل ديكارت. فالأنا المتعالية شيء (مبدأ منطقي)، والأنا الميتافيزيقية شيء آخر (جوهر قائم بذاته). وينشأ الخطأ في برهان ديكارت من الخلط بين الأنا المنطقي والأنا الواقعي: ففي القضية الأولى: "أنا أفكر" ترد بالمعنى المنطقي المتعالي، وفي القضية الثانية: "أنا موجود" ترد بالمعنى الأمبريقي الواقعي. كل ما نعرف عن الأنا، كما تقدم نفسها في القضية الأولى، هو أنها مبدأ من مبادئ المنطق المتعالي، إنها مجرد فكرة أو وعي يرافق كل حكم من الأحكام التي أصدرها، أو لنقل إنها مقدمة منطقية ملازمة لكل العمليات العقلية التي أقوم بها؛ ولا يمكنني بالتالي معرفة المزيد عنها أبدا.
وهكذا، فعندما نحاول أن نجعل من الذات المتعالية جوهرا، فإن معنى ذلك أننا نريد تحويلها إلى موضوع لأحكامنا، وهو أمر غير معقول، وعندما نريد القيام بذلك نكون كمن أراد عبثا أن يرى الزمان والمكان، لآن الزمان والمكان مقولتان عقليتان تكمن وظيفتهما في تأطير المعطيات الحسية، مع العلم أنهما لا يشكلان موضوعا من موضوعات الإدراك الحسي. وكذلك، فإن الكوجيطو هو حكم قبلي سابق على جميع الأحكام باعتباره شرطها الضروري الذي لا يخبرنا، مع ذلك، عن طبيعة الأنا؛ ولذلك لا يجوز لي أن أصدر حكما ذا دلالة ميتافيزيقية على أناي، لأنه لا يعقل أن أحكم أنا على أناي، كما لا يعقل أن يكون المرء هو الحاكم والمحكوم في نفس الوقت.
وإذا كان من غير الممكن إثبات وجود الأنا كجوهر فإن القول بأن الروح بسيطة لامادية وبأنها واحدة في كل الأزمنة وخالدة لا تفنى هي أقوال باطلة. وهكذا، فإن تفنيد المقدمات يبطل النتائج المترتبة عنها، ويدحض النظرية بكاملها.    
par Ahmed AGHBAL publié dans : دروس
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Jeudi 18 octobre 2007
الاستدلال الفلسفي
أحمد أغبال
ليست الكتابة الفلسفية مجرد استظهار وعرض للمعلومات والأفكار، إنها إنتاج لخطاب متماسك وهادف تحكمه بنية منطقية رصينة، وتنشأ هذه البنية عن آليات الاستدلال المنطقي، فلا قيمة لأية قضية أو فكرة ما لم تكن مدعمة بأدلة وحجج مقنعة. ويمكن تعريف الاستدلال الفلسفي تعريفا عاما بأنه مجموعة من المقدمات أو القضايا التي تفضي إلى نتيجة (قضية) تلزم عنها بالضرورة منطقيا، بحيث إذا حصل التسليم بالمقدمات يكون من الضروري قبول النتائج المترتبة عنها. فما المقصود بالمقدمات ولقضايا ؟
إن القضية proposition هي عبارة أو جملة يمكن الحكم عليها بأنها صحيحة أو خاطئة حسب تعريف أرسطو. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل جملة ليست قضية بالمعنى المنطقي للمفهوم، فهناك ما لا يقل عن أربعة أنواع من الجمل وهي: الجملة الاستفهامية، والجملة التي تفيد الأمر أو الجملة الأمرية، والجملة التي تفيد التمني أو غيره من الحالات الشعورية، والجملة الخبرية. فقد تدل الجملة على الاستفهام أو الأمر أو التمني، وقد تعبر عن شعور بالفرحة أو الألم... وقد يكون هدفها هو نقل خبر ما،. فإن سئلت: "متى يصل القطار"، فإنه لا يمكن القول عن هذا السؤال بأنه صحيح أو خاطئ، بمعنى انه لا يمكنك أن تجيب بالقول: "هذا صحيح"، ولن يكون لهذا الجواب معنى في نظر السائل، لأنه لا يتوقع منك هذا الجواب. وكذلك الحال إن قيل لك: "افتح الباب"، أو "أتمنى لك النجاح"، فإن هذه الجمل لا تحمل من المعاني ما يحتمل الصدق والخطأ بناء على معايير المنطق. فإن استجبت للأمر بقولك فقط: "هذا صحيح"، فمعنى ذلك أنك لم تفهم الأمر. وأما إن قيل لك: "مدينة الرباط هي عاصمة المغرب"، فإنه بإمكانك أن تقول: "هذا صحيح"، ويكون لكلامك معنى عند مخاطبك.
إن القضية بالمعنى المنطقي أو الفلسفي هي جملة خبرية أو عبارة تنطوي على فكرة تحتمل الصدق والخطأ، وهذا النوع من القضايا هو الذي يندرج في البنية المنطقية للاستدلال الفلسفي، حيث يؤلف بعضها المقدمات ويمثل بعضها الآخر النتائج المترتبة عن تلك المقدمات. وإنما تساق المقدمات لإقناعنا بصحة النتائج المترتبة عنها إما بواسطة الاستنباط أو الاستقراء. وهذه أمثلة على ذلك:
1-    مثال من التأملات الديكارتية الأولى
"كل ما تلقيته حتى الآن على أنه حقيقة يقينية هو ما أمدتني به الحواس؛ ولكنني أشعر أحيانا بأن الحواس خادعة، ومن قبيل الاحتياط ألا نضع ثقتنا أبدا في أولئك الذين يخدعوننا... وإذن، فإن معرفتي عن العالم ليست يقينية.
يتألف هذا البرهان من مجموعة من القضايا التي يؤدي بعضها إلى بعض وفقا لمبدأ الاستلزام المنطقي implication. تمثل كل قضية في هذا البرهان دليلا يبرر القضية النهائية أو النتيجة المتمثلة في ضرورة الشك في معرفتنا الحسية بالعالم. يدعوك هذا النوع من الاستدلال إلى التسليم مع الفيلسوف بصحة بعض القضايا. تسمى القضايا التي يطلب منك التسليم بها بالمقدمات. وإذا سلمت بها فإنه يتوجب عليك قبول النتيجة المترتبة عنها. لاحظ كيف تتسلسل المقدمات لتفضي بك إلى نتيجة (حقيقة) لا محيد عنها:
 
المقدمات
القضية الأولى
كل ما تلقيته حتى الآن على أنه حقيقة يقينية هو ما أمدتني به الحواس
القضية الثانية
ولكنني أشعر أحيانا بأن الحواس خادعة
القضية الثالثة
ومن قبيل الاحتياط ألا نضع ثقتنا أبدا في أولئك الذين يخدعوننا
النتيجة
القضية الرابعة
وإذن، فإن معرفتي الحسية عن العالم ليست يقينية
هذا هو منطق الاستدلال المنطقي والذي يتعين عليك اكتشافه وبيانه عندما يطلب منك تحليل النصوص الفلسفية. ولكن الفلاسفة غالبا ما يستعملون في كتاباتهم خطابا جدليا يسير بك في منعرجات قد تخلق لديك بعض الارتباك، وتجد نفسك في وضعية يصعب عليك فيها بيان قضايا البرهان والتمييز فيها بين المقدمات والنتائج والتعرف على بنيته. وفي هذه الحالة أنصحك بقراءة النص قراءة متأنية. واعلم أن القراءة هي عملية انتقائية تتطلب القدرة على التمييز بين العناصر الأساسية في النص وعناصره الثانوية. والمقصود بالعناصر الأساسية القضايا الكبرى، وهي العبارات التي تنطوي على فكرة أو مبدأ عام، وأما العناصر الثانوية فهي العبارات التي تشرح القضايا الكبرى وتوضحها من خلال المقارنة أو الأمثلة وما إلى ذلك.وعندما تكتشف القضايا الكبرى حاول أن تميز فيها بين المقدمات والنتائج. وهذا مثال يوضح ما ذهبنا إليه، وهو نص مأخوذ من التأملات الديكارتية الثانية، ينطلق فيه الفيلسوف من نتائج تأملاته الأولى التي استعرضها بأسلوب خطابي ليؤسس عليها البرهان الذي يثبت وجوده كذات مفكرة. والجديد في الفقرة الأولى التي تتضمن نتائج التأملات الأولى هو رغبته في العثور على منفذ للخروج من الشك إلى اليقين. فكيف تسنى له ذلك ؟ هذا ما يتعين عليك فهمه.
2- مثال من التأملات الديكارتية الثانية
يقول ديكارت في تأملاته الأولى:
"لقد ملأت تأملاتي يوم أمس ذهني بالشكوك، ولم يعد باستطاعتي نسيانها. غير أنني لا أعرف كيف يمكنني حل هذه المشكلة؛ وكأنني وقعت في جوف مياه عميقة، وفوجئت بأنني لا أستطيع تثبيت قدماي في قعرها، ولا أن أسبح لأطفو على سطحها. ولم يعد بوسعي سوى أن أواصل السير على النهج الذي سلكته يوم أمس بالابتعاد عن كل ما يمكن أن يثير في نفسي أدنى شك، كما لو كنت على يقين بأنه خاطئ تماما؛ وسأواصل السير في هذه الطريق إلى أن أعثر على شيء يقيني، وإن لم أعثر على شيء من هذا القبيل، أكون على الأقل قد علمت علم اليقين بأنه ليس في هذا العالم شيء يقيني".
 
القضايا
الصياغة المركز للقضايا