Jeudi 22 novembre 2007
De l’importance de la ponctuation
Ahmed AGHBAL
 
Y a-t-il une relation entre la ponctuation et le niveau de développement de la structure des réponses aux questions d’examen ? On entend par développement de la structure des réponses le degré de structuration et de cohérence de celles-ci . Les réponses peuvent être non structurées, structurées autour d’un seul élément ou de plusieurs éléments, relationnelle ou abstraite. Le niveau de développement de la structure des réponses reflète le degré de compréhension de la matière enseignée.
Le degré de structuration des réponses a été évalué à l’aide de la taxonomie de Biggs et Collis connue sous le nom : « The Structure of Observed Learning Outcome » (SOLO)(*).
Voici quelques éléments de réponse à la question posée 

Les réponses observées
SOLO-1.JPG 
Relation entre la ponctuation et la
structure des réponses
 SOLO-2.JPG

SOLO-3.JPG
R = 0.43 , P < 0.01
 
 
(*) Biggs, J.B.& Collis, K.F.(1982). Evaluating the quality of learning:  The SOLO taxonomy. Sydney: Academic Press.
 
par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Vendredi 9 novembre 2007

 

نظريات النمو المعرفي والتعلم لدى فيكوتسكي والفيكوتسكيون الجدد
أحمد أغبال
 مساهمة فيكوتسكي Vygotsky
كان فيكوتسكي من أوائل الباحثين الذين أكدوا على أن تفاعل الطفل مع الآخرين، وخاصة الراشدين منهم، يلعب دورا أساسيا في تشكل البنية العقلية ويحدد طريقة اشتغالها. فهو يرى أن الوظائف العقلية العليا تتشكل تدريجيا عبر سلسلة من التفاعلات الاجتماعية. يرتكز هذا التصور على مصادرة مفادها أن شروط النمو العقلي وآلياته توجد خارج الفرد، في محيطه الاجتماعي-الثقافي. ويتحقق النمو من خلال مشاركة الفرد في مختلف الأنشطة الاجتماعية-الثقافية،ومن خلال استعماله للوسائل والأدوات التي يوفرها له المحيط الثقافي. هذه هي الأطروحة المركزية التي دافع عنها فيكوتسكي. وأما فيما يتعلق بالجانب المنهجي فإنه جعل من النشاط الاجتماعي الوحدة الأساسية في التحليل.
يميز أتباع فيكوتسكي في الأنشطة الاجتماعية بين ثلاث مستويات. هناك المستوى الشكلي الذي يمثل فيها الجانب النسقي المنمط الذي تحكمه مع ذلك بنية دينامية تنمو وتتغير. تكمن وظيفة هذا النسق في توجيه سلوك الفرد. ومن أمثلة ذلك طريقة تنظيم الأنشطة الدراسية. إن تنظيمها على نحو ما يجعل منها أنشطة منمطة تحدد نظرة الفرد إلى التعلم والأداء، وتحدد مقدار ما يرجع إليه من المسؤولية. يمثل هذا المستوى الإطار الاجتماعي-الثقافي الذي يجري فيه الفعل الموجه نحو تحقيق هدف معين، وهذا الفعل هو الذي يمثل المستوى الثاني. يتميز الفعل action عن النشاط activity من حيث أن الأول قد يتغير بينما يظل الثاني ثابتا نسبيا. وقد يستعمل الفعل الواحد كوسيلة لتحقيق أنشطة وأهداف متنوعة. وأما المستوى الثالث فيتعلق بإجرائية الأهداف وترجمتها إلى سلوك ملموس. تتميز الأفعال عن الإجراءات من حيث أن الأفعال ترتبط بالأهداف بينما ترتبط الإجراءات بالشروط التي تتحقق الأهداف في ظلها. يدل مفهوم الأجرأة على كيفية إنجاز الفعل في ظل ملابسات ظرفية معينة. إن ما يميز الإجراءات هو تغيرها تبعا لتغير الظروف التي يسعى الفرد في ظلها إلى تحقيق نفس الهدف.
ينطبق مفهوم النشاط على الفرد كما ينطبق على الجماعة. فهو مفهوم اجتماعي ذو دلالة مزدوجة. تشير دلالته الأولى إلى مضمونه الاجتماعي-الثقافي، ويدل من جهة أخرى على التفاعل الاجتماعي. يمثل النشاط بمعناه الأول السياق الذي يحيط بعملية التفاعل. عندما يشارك الطفل في نشاط اجتماعي معين يحصل بينه وبين الراشدين تفاعل، ويعمل هؤلاء على تنظيم عملية التفاعل وفقا لما تمليه الأنماط الاجتماعية-الثقافية، ويستبطن الطفل مقولاتها فتتشكل بالتالي الوظائف العقلية العليا تدريجيا. «تظهر كل وظيفةمن الوظائف العقليةللطفلخلال نموه الثقافي مرتين: على المستوى الاجتماعي أولا، وعلى مستوى الفرد بعد ذلك. تظهر في البداية بين الأفراد (كمقولة بين-ذاتية interpsychological)، وتظهر بعد ذلك داخل الفرد (كمقولة ذاتية intrapsychological ). ينطبق هذا سويا علىكل منالانتباه الإرادي، والذاكرة المنطقية، وعلى تشكل المفاهيم. إن جميع الوظائف العقلية العليا تنشأ عن التفاعل الفعلي بين الأفراد»Vygotsky, 1978, p. 57) ).تتشكل بنية الطفل العقلية وتنمو من خلال تفاعله مع الراشدين، توجد مقولاتها في المحيط الاجتماعي-الثقافي، وعندما يحتك الطفل بمحيطه يستبطنها وتنتقل إلى الداخل.
أجرى فيكوتسكي تجارب عديدة على الأطفال للتأكد منصحةنظريته.ولعل من أبرز التجارب التي دعمت أطروحته وبينت بوضوح الطبيعة الاجتماعية للتعلم والنمو المعرفي تلك التي تناول فيها موضوع الذاكرة. لقد حاول أن يثبت أن الذاكرة ذات الوسائط mediated memory، التي تعتبرمنجملة الوظائف العقلية العليا وتعد بالتالي أكثر تطورا من الذاكرة الطبيعية التي لا تعتمد على الوسائط الثقافية، تظهر لدى الأطفال الذين تتاح لهم فرص التفاعل مع الراشدين المتمرسين. فخلال عملية التفاعل يكتشفون الوسائل التي تساعدهم على التذكر، فتحصل الطفرة في النمو، وينتقل الطفل من الذاكرة الطبيعية إلى الذاكرة التي تدعمها العناصر الثقافية المكتسبة. ولذلك يتوقع أن تظل قدرة الطفل على التذكر محدودة في غياب التفاعل مع ذوي الخبرة والقدرة العالية. تكتسي هذه الفكرة أهمية بالغة بالنسبة للمربين الذين يتعين عليهم أن يدركوا أن من واجبهم أن يشاطروا المتعلمين خبرتهم ومعارفهم.
لاحظ فيكوتسكي أن الأطفال الذين يجدون صعوبة في إنجاز بعض المهام غالبا ما يتمكنون من إنجازها عندما يشتغلون تحث إشراف الراشدين وتوجيههم. وذهب إلى القول: «إن ما يقوم به الأطفال بمساعدة الآخرين ربما كان أكثر دلالة على مستوى نموهم العقلي مما يمكنهم القيام به بدون أية مساعدة»(Vygotsky, 1978, p. 85)؛ ذلك لأن المهارات التي يوظفها الطفل بطريقة مستقلة هي المهارات التي تشكلت بالفعل في وقت سابق وأصبحت ناضجة، إنها «ثمرة» النمو السابق. تمثل هذه المهارات ما يسميه فيكوتسكي مستوى النمو الفعلي actualdevelopmental level . إن معرفة هذا المستوى لا ينبئنا بالتطور الممكن في المستقبل. وأما المهارات التي لا تتحقق إلا بمساعدة الراشدين أو الزملاء المتفوقين فهي تلك التي ما زالت في طور التشكل أو في طريق الانتقال من الخارج إلى الداخل، حيث يتوقع أن يستبطنها الطفل في المستقبل القريب. إنها "زهرة " النمو التي تبشر بالثمار على حد قوله. تدل المهارات السائرة في الطريق نحو النضج على مستوى النمو الممكن level of potential development. وأما المسافة التي تفصل مستوى النمو الممكن عن مستوى النمو الفعلي فهي التي تمثل ما يسميه فيكوتسكي منطقة النمو القريب المدى zone of proximaldevelopment. هكذا، فإن تقدير قدرات الأطفال لا ينحصر في معرفة ما يستطيعون القيام به في الحاضر، ولكنه يتعدى ذلك إلى ما يمكنهمإنجازهفي المستقبل القريب. إن المهام التي ينجزونها اليوم بمساعدة الغير هي المهام التي سينجزونهافي المستقبلبالاعتماد على أنفسهم.
ألح فيكوتسكي كثيرا على أهمية مفهوم منطقة النمو القريب المدى على المستويين النظري والمنهجي، ودعا الباحثين والمربين إلى استعماله من أجل تشخيص مشكلات التربية والتعليم وتقويم الأداء. تكمن أهميته في كونه يأخذ بعين الاعتبار القدرات والمهارات التي تشكلت ونضجت والقدرات والمهارات التي توجد في طور التشكل. بينما كانت أساليب التقويم واختبارات الذكاء تهتم بالقدرات الناضجة وحدها. لا تخبرنا هذه التقنيات بمدى قدرة الفرد على الاستفادة من التعليم والتلقين وبإمكانيات النمو في المستقبل القريب. أكد فيكوتسكي أن الأطفال الذين يشكلون فئة متجانسة من حيث مستوى نموهم العقلي تكون قدراتهم على التعلم والاستفادة من التلقين متباينة. لذلك تختلف سيرورة التعلم وإيقاعها من فرد إلى آخر. يمكن القول بعبارة أخرى إذا كانت مستويات النمو الفعلي متساوية فإنه غالبا ما تكون مستويات النمو الممكن متفاوتة لدى الأطفال.هناك فروق جوهرية بين الأفراد الذين ينتمون إلى نفس فئة العمر العقلي تعزى إلى متغير نطاق النمو القريب المدى لا تكشف عنها اختبارات الذكاء وأساليب التقويم التي تهتم بقياس القدرات الثابتة والمهارات التي أفرزها التعلم السابق. هذا بالإضافة إلى أنها لا تمكننا من التمييز بين فئة الأطفال من المتعثرين الذين يعانون من صعوبات التعلم  learning-disabled وفئة الأطفال المتخلفين عقليا retarded children. إن القاسم المشترك بين هاتين الفئتين هو انخفاض مستوى الأداء الفعلي. وما يميز فئة المتعثرين عن فئة المتخلفين عقليا هو أنهم يمتلكون قدرة أكبر على الاستفادة من التلقين. إن أساليب التقويم الستاتيكية لا تكشف لنا عن مواقع الفروق بين الأفراد.
كان من نتائج انتشار أساليب التقويم التي تركز على القدرات الثابتة أن ساد الاعتقاد بأن النضج عامل أساسي في التعلم، وأنه يجب مراعاة مستوى نمو الأفراد ونضجهم في بناء المنهاج الدراسي. وقف فيكوتسكي ضد هذا الاعتقاد الذي أصبح رغم تحذيره القاعدة العريضة لوضع المناهج والبرامج الدراسية، وبين مخاطره بالنسبة لتعليم الأطفال المتخلفين عقليا والأطفال العاديين على حد سواء. لقد كان الاعتقاد السائد هو أن الأطفال المتخلفين عقليا ليسوا مؤهلين للتفكير المجرد. يترتب عن هذا الاعتقاد اعتقاد آخر وهو أن أنسب المناهج لتعليمهم هي المناهج الحسية-الحركية. يرى فيكوتسكي أن هذه المناهج لا تساعد الأطفال على تجاوز إعاقتهم الفطرية، ولكنها تكرسها وتعززها، وتقضي على إرهاصات التفكير المجرد التي نلمسها لديهم، من خلال تعويدهم على التفكير الحسي-الحركي وحده. ويعتقد أنه من الممكن أن يتجاوزوا مرحلة التفكير الحسي-الحركي عن طريق المساعدة والدعم والتلقين. وأما التعليم الذي يخضع له الأطفال الأسوياء فهو تعليم متقهقر يتناسب مع القدرات والمهارات التي أفرزها النمو السابق، ولا يواكب السيرورة النمائية، ولا يعدهم للانتقال إلى المراحل النمائية الموالية. « وهكذا، فإن مفهوم نطاق النمو القريب المدى يمكننا من اقتراح وصفة جديدة وهي أن "التعلم الجيد" هو ذلك الذي يستبق النمو»Vygotsky 1978. P. 89)).
وخلاصة القول إن النمو لا يحصل بطريقة تلقائية كما يعتقد بياجي، ولكنه يتوقف إلى حد كبير على الفرص المتاحة للفرد للتفاعل مع الآخرين والاستفادة من خبراتهم ودعمهم. لا يفصل فيكوتسكي بين النمو العقلي والتعلم المدرسي، فهما يتبادلان التأثير قيما بينهما. فكما أن مستوى النمو العقلي يحدد القدرة على التعلم كذلك يساعد التعلم على النمو. إن عملية التعلم المنفتحة بالضرورة على العالم الخارجي تتحول، من خلال استبطان الفرد للمقولات التي تبلورت في المحيط، إلى عملية من العمليات النمائية الداخلية. فهو وإن كان يميز بين عملية التعلم وعملية النمو العقلي إلا أنه يؤكد على وحدتهما وعلى إمكانية تحول إحداهما إلى الأخرى. إن المهارات التي يكتسبها الفرد من خلال تفاعله مع الآخرين تدمج في بنية المهارات التي تشكلت من قبل وتنشأ عن ذلك بنية عقلية جديدة أكثر تعقيدا. كما أن البنية الجديدة تساعده على اكتساب مهارات أكثر تطورا. هناك إذن علاقة جدلية بين النمو والتعلم.
على الرغم من خصوبة هذه النظرية فإن نظرية بياجي حجبتها لمدة طويلة لأسباب أيديولوجية، خاصة  وأن فيكوتسكي بنى نظريته على بعض المبادئ العامة التي استمدها من الفلسفة الماركسية. ولم يشرع الباحثون الغربيون في جني ثمار هذه النظرية من الناحية الأكاديمية والعملية إلا في العقدين الأخيرين من القـرن العشريـن. وظهرلـه في الغربأتباع كثيرون  يطلق عليهم اسم "الفيكوتسكيون الجدد" neo-Vygotskians، واعتبر واحدا من المؤسسين الأوائل لعلم النفس الاجتماعي المعرفي الذي بدأ يفرض نفسه بقوة في الساحة العلمية خلال السنين الأخيرة.
par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Jeudi 8 novembre 2007
نظريات النمو المعرفي والتعلم لدى فيكوتسكي والفيكوتسكيون الجدد
أحمد أغبال
 الفيكوتسكيون الجدد
في عام 1978 ترجم كول Cole وزملاؤه مجموعة من نصوص فيكوتسكي الأساسية وعلقوا عليها. جمعت هذه النصوص في كتاب يحمل عنوان «العقل في المجتمع»Mind in Society كان الهدف من ترجمتها هو تصحيح نظرة الباحثين إلى هذا العالم السوفياتي الذي طالما أسيء فهمه في الدوائر الأكاديمية الغربية. وتسعى الترجمة أيضا إلى « تسليط الأضواء على العديد من مصادراته النظرية الكبرى، وخاصة تلك التي ربما كانت مصدر البحث السيكولوجي المعاصر »John-Steiner and Souberman, 1978, p. 121 )(. من هذه المصادرات:
§        أن الإنسان كائننشيط يشارك بشكل فعال في خلق مقومات وجوده , وتقرير مصيره، ويساهم بشكل فعال في تحقيق نموه الذاتي. ذلك لأن كل فرد يتمتعبالقدرة على اكتساب الوسائل التي يستعملها، في كل مرحلة من مراحله النمائية، للتأثير في الذات وفي العالم من حوله. تترتب عن هذه المصادرة الأساسية مصادرات فرعية أهمها:
§        لا يمكن للفرد المنعزل أن يحصل على المعرفة. إن العمليات المعرفية هي في الأصل عمليات اجتماعية، وتتحول إلى عمليات سيكولوجية ذاتية أو شخصية من خلال الفعل والمشاركة في نشاط الجماعة. يفترض إذن أن للبنية المعرفية مضمون اجتماعي.
§        لا تحصل المعرفة إلا من خلال الفعل والتفاعل الاجتماعي الذي يعني المشاركة في الأنشطة الاجتماعية-الثقافية. إن السبيل إلى المعرفة إذن هو الفعل والمشاركة.
§        توجد علاقة بين تاريخ الفرد وتاريخ ثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه، بين البعد المعرفي الشخصي في عملية النمو وبعدها الاجتماعي المشترك. هناك إذن علاقة جدلية بين التعلم باعتباره نتاج عملية التفاعل الاجتماعي وبين النمو المعرفي. فبواسطة التعلم يتم إغناء البنية المعرفية بعناصر جديدة، كما أن البنية المعرفية الجديدة تزيد من قدرة الفرد على التعلم والاستفادة من مصادر المعرفة التي يتوفر عليها محيطه الاجتماعي.
§        إذا كان التعلم لا يحصل إلا من خلال الفعل فإن تأثير الفعل يزداد قوة عندما يتقن الفرد استعمال الأدوات والرموز اللغوية وغير اللغوية كوسائط. تلعب هذه الوسائل دورالمتغيرالذي يتوسط العلاقة بين الفرد والمجتمع وتساهم بذلك في تشكل البنية الذهنية. وكلما تغيرت الأدوات إلا وتغيرت البنية الذهنية. عبر إدوارد بورغ Berg عن هذا المبدأ بقوله: " فكما أن أدوات العمل تتغير تاريخيا كذلك تتغير أدوات التفكير تاريخيا. وكما أن أدوات العمل الجديدة تؤدي إلى تشكل بنيات اجتماعية جديدة كذلك تؤدي أدوات التفكير الجديدة إلى تشكل بنيات ذهنية جديدة " (أورده John-Steiner et al, 1978, p. 132)هذا ما تؤكده ثورة المعلومات.
 
عبر أعضاء الهيئة التي ترجمت الكتاب عن مدى تأثرهم بأفكار فيكوتسكي بأسلوب يحمل بصماته. وصفوا التغير الذي طرأ على بنيتهم الذهنية لما قرؤوا المخطوطات واستوعبوا ما تنطوي عليه من مبادئ من خلال «المشاركة النشيطة» في دراستها من أجل الكشف عن معانيها وإعادة بنائها في الذهن. « وكان للحصيلة المترتبة عن استبطان أفكار فيكوتسكي ديناميتها الخاصة »التي أفضت بهم إلى تجاوز ثنائية الفرد والمجتمع والتعارض بين المقاربة الفردانية والمقاربة الاجتماعية في الدراسات السيكولوجية المعاصرة. بهذا الأسلوب البليغ عبروا عن مدى تشبعهم بأفكار فيكوتسكي التي جعلت منهم تيارا فكريا متميزا ومتعاليا عن الحساسيات الأيديولوجية.ولقد استطاعوا بفضل جهودهم الرامية إلى تحيين وتجديد أفكار هذا العالم السوفياتي أن يتبوءوا مكانة مرموقة في الساحة العلمية داخل الولايات المتحدة ذاتها في السنين الأخيرة من القرن العشرين.
يعلن هؤلاء الباحثون انتماءهم إلى تيار علم النفس الثقافي التاريخي الذي ينحدر في الواقع من أصول متنوعة تمتد إلى هيجل وماركس مرورا بديوي، ودوركايم، وليونتيف Leontiv، ولوريا Luria، وشترن Stern، والذي يمثله فيكوتسكي أحسن تمثيل. وأما القاسم المشترك بين ممثلي هذا التيار في الوقت الراهن فهو إيمانهم بوجود روابط حميمة بين خصائص المحيط وخصائص العمليات السيكولوجية للفرد الذي يعيش في ذلك المحيط. يقول كول بهذا الصدد: (Cole, 1997, p. 247) 
Cultural-historical psychology begins from the assumption that there is an intimate connection between the special environment that human beings inhabit and the fundamental, distinguishing, qualities of human psychological processes. The special quality of the human environment is that it is suffused with the achievements of prior generations in reified (and to this extent materialized) form
يشمل هذا الاتجاه كل النظريات التي حاولت التأليف بطرق مختلفة بين المقاربة التي تركز على الفرد organismic approach والمقاربة التي تركز على السياق contextual approach. برزت في هذا الإطار نظريات عديدة تعكس كل واحدة منها تصورا خاصا للعلاقة بين الفرد والمحيط. نذكر منها على سبيل المثاللا الحصرنظريات كل من برونر Bruner، ونلسن Nelson وروغف Rogoff، وشويدر Shweder، وورتش Wertsch. ومهما اختلفت وجهات نظرهم وأساليبهم في التأليف بين المقاربتين فإن نتائج بحوثهم الميدانية تتفق مع بعضها وتتكامل.
.وقبل الشروع في استعراض جانب من نتائج هذه البحوث التي لها علاقة بموضوع بحثنا ومتغيراته ومفاهيمه الإجرائية نود أن نشير إلى أن هؤلاء الباحثين تأثروا بأفكار بعض الفلاسفة والمنظرين البريطانيين الذين اشتهروا في النصف الثاني من القرن العشرين. يأتي في مقدمتهم ماكموري McMurray صاحب كتاب «Persons in relation» (1961). من أفكاره الأساسية التي حظيت باهتمام علماء النفس قوله بمبدأ التكيف المتبادل بين الأنا والغير، وتأكيده على أن المرء لا يصبح شخصا إلا من خلال ارتباطه بأشخاص آخرين، وأن العلاقة بين الأشخاص يحكمها مبدأ الدافعية الذي يشمل النوايا والمقاصد. إن العلاقات البيشخصية في نظره هي أساس وجود الشخص، وربما تعارضت مع علاقته بالمجتمع ككل. إن الفرد لا يستجيب في سلوكه لمطالب المجتمع ولكن لما تمليه عليه العلاقات البيشخصية. يظهر التنافر بين متطلبات الحياة الاجتماعية ومتطلبات الحياة البيشخصية في عالم الأطفال بشكل واضح. هذا بالإضافة إلى أن ماكموري رفض التسليم بمبدأ التعارض بين العقل والوجدان بدعوى أنه لا يمكن الفصل في العلاقات البيشخصية بين البعد العقلي والبعد الوجداني. إن فهم الغير ممن تربطني به علاقة شخصية يشمل فهم الدلالات والمعاني وإدراك المقاصد والنوايا والحوافز بصفة عامة.
تقودنا هذه الفكرة بالضرورة إلى الحديث عن فيلسوف آخر كان له تأثير واسع بدوره، يتعلق الأمر بهاملين Hamlyn صاحب النظرية القائلة بعدم قابلية المعرفة للتجزيء non-atomicityof knowledge. والمقصود بذلك، حسب قوله، أنه لا يمكن الفصل في المعرفة بين العناصر «الإبستيمية» والعناصر «غير الإبستيمية». إن المعرفة والفهم لا يتحققان في نظره ما لم يكن للفرد وجود اجتماعي، وما لم يكن على ارتباط بالآخرين من موقع الشخص الفاعل. إن فهم موضوع معين يستلزم الإحاطة بجوانبه المعرفية وغير المعرفية، فهو يشترط توفر الفرد على معلومات وافية بالموضوع ووعيه بمعايير صحته. هذا مع العلم بأن معيار التمييز بين الصواب والخطأ معيار اجتماعي ينشأ عبر عملية تفاعل الفرد مع شخص يقوم مقام المصحح بالنسبة إليه. ولا يتحقق ذلك إلا إذا اعترف بذلك الشخص كمصحح ومقوم لسلوكه المعرفي. تتلخص هذه النظرية في عبارة هاملين المشهورة: «لا يمكن لأحد أن يعرف شيئا ما لم يعرف أشياء أخرى« ( Hamlyn, 1983 , p. 166 ).
يلي ذلك في سلسلة المفكرين الذين كان لهم تأثير كبير عالم النفس البريطاني جبسن Gibson. حظيت نظريته الإيكولوجية باهتمام الباحثين في مجال علم النفس الاجتماعي المعرفي. من مصادراتها الأساسية أن الفرد والمحيط يتفاعلان بطريقة تجعل كل واحد منهما يتكيف مع الآخر باستمرار. بناء على هذا النوع من التكيف المتبادل تتحدد خصائص كل واحد منهما وتترابط فيما بينها ترابطا منطقيا في إطار منظومة إيكولوجية متميزة. وهكذا، فإن تحليل خصائص الفرد يدلنا على خصائص المحيط، كما أن وصف المحيط وصفا دقيقا يخبرنا بمواصفات الكائن الذي يعيش فيه وخاصة ما تعلق منها بسلوكه المعرفي، على اعتبار أن هذا السلوك هو وسيلته في التكيف مع المحيط. ونظرا لوجود هذه العلاقة فإنه لا يجوز تقييم الأنشطة المعرفية وهي مجردة عن سياقها الطبيعي. يرتكز الهيكل النظري الذي بلوره جبسن Gibson على ثلاثة مفاهيم أساسية وهي: مفهوم « العطاء الطبيعي » إذا جاز هذا التعبير الذي نقترحه كترجمة لمفهوم affordance الذي يشير إلى ما يمنحه المحيط للفرد ويجعله في متناول إدراكه، والمقصود بذلك كل ما يحمله من معاني ودلالات بالنسبة إليه. ومفهوم فاعلية الكائن effectivity الذي يدل على ما للفرد من استعدادات هادفة تؤهله لإدراك ما يقدمه له المحيط. هذان المفهومان مترابطان ومتكاملان، حيث يدل الأول منهما على ما يؤهل الشيء لأن يدرك، ويدل الثاني على ما يؤهل الفرد لإدراكه. وأما المفهوم الثالث فهو مفهوم المعلومة information الذي يوظفه جبسن Gibson بطريقةخاصة تختلف تماما عن طريقةتوظيفهفي إطار النموذج المعلوماتي ( Gibson, 1979 ).
تركز هذه الدراسات كلها على مدى أهمية التفاعل الاجتماعي باعتباره المبدأ الأساسي الذي تتمحور حوله البنية المعرفية. وليس المقصود بالتفاعل الاجتماعي هنا تلك العملية الميكانيكية المتمثلة في الفعل ورد الفعل. إن ما يميز التفاعل الاجتماعي حسب هؤلاء المنظرين هو ارتكازه على مبدأ التناسق القصدي الذي يدفع كل طرف من أطراف عملية التفاعل إلى تكييف زاوية نظره وأفكاره ومشاعره وسلوكه عن وعي مع ما يقابلها لدى الطرف الآخر. هذا التكيف المتبادل، الواعي والمقصود، هو الشرط الضروري لقيام التواصل. من خلاله يحقق الفرد وجوده كشخص,ويحصل له الوعي بالذات وبالآخرين، ويكتسب بالتالي القدرة على المعرفة الموضوعية. يجب التنبيه بهذا الصدد إلى ان مبدأ التفاعل ليس متغيرا مستقلا يقع هناك خارج عملية النمو العقلي، وإنما هو جزء لا يتجزأ منها. يعتبر التفاعل قدرة من قدرات العقل البشري (1976,Humphrey)  هناك من يقول إنها قدرة فطرية، بمعنى الاستعداد القبلي للتبادل. وهي تمثل ذلك الجزء من العقل الذي يسمى بالذكاء الاجتماعي والذي يوجد إلى جانب الذكاء العملي كالقدرة على حل المشكلات مثلا. يتجلى النمو العقلي,في نظر الباحثين الذين يمثلون هذا التصور الذي سنأتي عليه بعد حين، من خلال الكيفية التي تدمج بها القدرة على التفاعل ومهارات التواصل مع القدرات العقلية العملية في إطار بنية متميزة.
par Ahmed AGHBAL
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mercredi 7 novembre 2007
نظريات النمو المعرفي والتعلم لدى فيكوتسكي والفيكوتسكيون الجدد
أحمد أغبال
إن الطروحات التي تعرضنا لها في الفقرة التمهيدية السابقة تدعمها العديد من البحوث التجريبية والميدانية التي تناولت موضع التفاعل بين الأطفال والراشدين من جهة والتفاعل بين الأقران من جهة أخرى. سوف نستعرض بشكل مركز النتائج التي توصلت إليها عينة مختارة من هذه البحوث.
لاحظ ترفرتن Trevarthen في دراسة تصف طريقة تفاعل الأطفال مع أمهاتهم وجود ميل إلى التفاعل حتى عند الطفل الرضيع في الأسابيع الأولى من حياته. حيث تبين له أن الرضيع يحاول باستمرار تكييف سلوكه مع سلوك أمه. يفصح سلوك الطفل في هذه المرحلة المبكرة من العمر عن وجود ما يسميه ترفرتن مبدأ الدافعية إلى التبادل mutuality في صورته البدائية. واستنتج من ذلك ان للطفل استعدادا فطريا للتواصل. واعتبر ذلك المبدأ حافزا من الحوافز الإنسانية الأساسية، والقاعدة التي تقوم عليها القصدية المتبادلة mutual intentionality والتجارب البيذاتية ( بين-ذاتية ) intersubjectivity. وقاده تحليل المعطيات التي جمعها بواسطة الملاحظة المباشرة إلى التمييز بين طريقتين من طرق اشتغال الجهاز المعرفي للطفل الرضيع: طريقة ذاتية subjective تشمل الآليات الحسية-الحركية التي تحدث عنها بياجي ، وطريقة بين-ذاتية intersubjective تعبر عن ميله الفطري إلى التواصل. ولكن الطفل يجعل من التواصل في الأسابيع الأولى من حياته غاية في حد ذاته، ولذلك تغلب عليه الوظيفة الفاتية phatic في هذه المرحلة. وكذلك تكون الغلبة في هذه الفترة لنمط التفكير الذاتي الذي يذكرنا بنزعة التمركز حول الذات التي تحدث عنها بياجي. وفي حوالي الشهر السادس تمتزج العناصر الذاتية والعناصر البيذاتية فيما بينها، ويحصل تغير عميق في البنية العقلية للطفل من جراء ذلك. يتجلى امتزاجها بوضوح أثناء اللعب، حيث يحاول الطفل إغراء أمه بالمشاركة في اللعبة. وهنا يتدخل عنصر جديد ليتوسط العلاقة بين الطفل وأمه، إنه موضوع اللعبة. هكذا، وبعد أن كان التواصل في البداية هدفا في حد ذاته أصبح الآن وسيلة لتحقيق رغبة الطفل في اللعب. يسمي ترفرتن Trevarthenعلاقة التفاعل الثلاثية الأبعاد هذه العلاقة البيذاتية الثانوية secondary intersubjectivity، ويعتبرها الأساس الذي تقوم عليه دينامية النمو العقلي. إن القوة الدافعة إلى التواصل هي العامل الأساسي الذييفسر في نظره التحولات الكبرى التي تتخلل سيرورة النمو العقلي لدى الأطفال. ويعتقد أيضا، بناء على النتائج المستخلصة من تحليل المعطيات، أن الذكاء هو نتاج عملية التفاعل بين الأشخاص. فلا نمو ولا تعلم ما لم تكن للفرد مهارات اجتماعية تؤهله للتفاعل الإيجابي مع الآخرين. فبمقدار ما تنمو هذه المهارات، وبمقدار ما تزداد قدرة الفرد على التحكم فيها، تزداد قدرته على التعلم تبعا لذلك (Trevarthen, 1979,1982 ).
انطلاقا من هذه النتائج حاول بعض الباحثين التعرف على دور التفاعل الاجتماعي في اكتساب المعرفة بالأدوار والوقائع الاجتماعية والقدرة على فهمها. في هذا الإطار قامت كاترين نلسن NelsonKatherineبدراسة تمثلاتالأطفال للوقائع والحوادث الاجتماعية event representation، وانكبت على وصف وتحليل آليات تشكل التمثلات والمقولات الاجتماعية التي تمثل في نظرها الخطوة الأولى نحو التفكير المجرد. بنيت هذه الدراسة على أساس أن مصدر التمثلات والمقولات المعرفية الاجتماعية يكمن في التفاعل بين الأشخاص. وأما مرجعيتها النظرية فهي نظرية الخطاطات schema أو النماذج التمثلية script التي بلورها شونك Schank وأبلسن Abelson ( 1977 ).
تعرف كاترين نلسن التمثلات النموذجية script بأنه « تمثل عام للحدث يستمد من سياق معين ويطبق عليه »(Nelson, 1981, p. 101). ويعكس النموذج التمثلي سلسلة من الأفعال المترابطة التي يتمحور نظامها حول هدف معين في سياق متميز داخل إطار زمني-مكاني محدد. ويتالف التمثل النموذجي من ثلاثة أنواع من العناصر وهي: العناصر الضرورية التي لا يمكن الاستغناء عنها، والعناصر الاختيارية، والعناصر العرضية التي تستعمل في حال عدم وجود بعض العناصر المحددة. من أمثلة ذلك نموذج قاعة الجلوس اليومية التي استعملتها نلسن لبيان المراد. يرتكز هذا النموذج على مجموعة من العناصر الأساسية التي تنتظم وفقا لقواعد الهندسة، وهي الجدران والأبواب والنوافذ. وقد تشتمل القاعة على المصطلى كعنصر إختياري. وأما الأثاث (الأرائك والسجادات والكراسي الخ) فيمثل فيها القيم غير المحددة default values أو العرضية.التي لا يتسبب انعدامها في انهيار النموذج. هنا يكمن الفرق بين التمثل النموذجي والمقولة التي تختزل الواقع وتصنفه. فلا يمكن أن نتمثل مقولة الحيوان في غياب الكائنات التي انبثقت عنها بواسطة التجريد. وأما العلاقة بين النموذج التمثلي وعناصره فهي من نوع آخر. فإذا كانت البقرة حيوانا فإن الأريكة ليست قاعة. ولا ينطوي تصورنا للأريكة بداهة أو بالقوة على ما يحيل إلى القاعة. ولكن العكس صحيح إلى حد ما. إذ تعتبر الأريكة جزءا من القاعة طالما ليس هناك شيء آخر يقوم مقامها. هذا بالإضافة إلى أن الأريكة (الصالون) نفسها يمكن تصورها كنموذج، كما أن قاعة الجلوس تندرج كعنصر أساسي من عناصر نموذج المنزل. تدمج النماذج التمثلية فيما بينها لتشكل وحدة كلية أكثر شمولا. فهي مفاهيم عامة تختلف من حيث درجة تجريدها.وإذا كانت المقولات هي الأخرى مفاهيم عامة فإن الفرق بينها وبين التمثلات النموذجية كالفرق بين التعريف الذي يدل على الخصائص الضرورية أو الجوهرية للأشياء بصرف النظر عن العناصر العرضيةأوغير الضرورية، والمعرفة التي تخبرنا بجميع مكونات الأشياء الضرورية منها وغير الضرورية.
يدل التمثل النموذجي إذن علىمعرفتنا بالأشياء لا علىتعريفها وتحديدها. فهو يكتفي بوصف معرفتنا ببعض النماذج الاجتماعية كنموذج المطعم مثلا. تساعدنا النماذج التمثلية على استقراء الوقائع وإدراك علاقاتها السببية أو غيرها والتنبؤ بها قبل حدوثها، وتمكننا أيضا من تنظيم المعرفة في أذهاننا وتيسر علينا عملية التذكر. ولقد أثبتت الدراسات الميدانية التي قامت بها نلسن  Nelson أن معارف الأطفال عندما تنظم على أساس الخطاطات والتمثلات النموذجية تزيد من قدرتهم على تذكر الوقائع وإدراك بنيتها ومختلف مكوناتها الضرورية والعرضية ويصبحون قادرين على عرضها حسب تسلسلها في الزمان والمكان. وتساعدهم التمثلات النموذجية المكتسبة أيضا على تذكر القصص وحكيها أو كتابتها بطريقة منظمة تبرز العلاقات بين شخوصها وأدوارهم ومنطق تسلسل وقائعها. وأظهرت الدراسة أيضا أن ما يميز المعرفة التي تنظمها التمثلات النموذجية لدى الأطفال هو طابعها الشمولي العام وانتظامها وفقا للتسلسل الزمني. فهي تتخطى حدود الواقعة الآنية لتحيط بوقائع أخرى عديدة حاضرة أو غائبة. إنها تدل على ما يحدث عادة لا على ما حدث في لحظة معينة.
ودلت الدراسة على أن التفاعل الاجتماعي بين الطفل والراشد يلعب دورا أساسيا في اكتساب التمثلات النموذجية. ولكن التفاعل الاجتماعي لا يساعد الطفل على اكتسابها إلا إذا استطاع الراشد تنظيم السياق الذي تجري فيه عملية التفاعل وهيكلته بطريقة تجعل منه سياقا ذو دلالة بالنسبة للطفل. ولا يتسنى له ذلك إلا من خلال تحديد هدف واضح للأنشطة التي تحصل هناك، ورسم خطة لتحقيقه، وإشراك الطفل في تنفيذها، ومساعدته على الوعي بالدور المنوط به. فتتوزع الأدوار خلال عملية التفاعل على هذا النحو، ويكون الهدف الذي يحققه الطفل في النهاية من خلال مشاركته في التجربة التي خطط لها الراشد هو اكتساب التمثل النموذجي أو الخطاطة التي تعكس وقائعها وعلاقاتها ومنطقها.
تتشكل التمثلات النموذجية إذن انطلاقا من تجارب الحياة اليومية التي ينظمها الراشدون، آباء كانوا أو مدرسين، بقليل أو كثير من الوعي. ونظرا لالتصاقها بالتجربة المعيشة من جهة وميلها إلى التعميم من جهة أخرى فإنها تمثل الخطوة الأولى في الطريق نحو التفكير المجرد. ذلك لآن المقولات والمفاهيم المجردة تشتق من التمثلات النموذجية لا من الوقائع الملموسة. وإذا كانت النماذج التمثلية مقدمة التفكير المجرد فإنها تعتبر بالإضافة إلى ذلك مصدر الخطط والتفكير الاستراتيجي. إنها تمثل الهيكل البدائي للخطط والمدخل الطبيعي إليها. يتحول النموذج التمثلي script تدريجيا إلى خطة عندما يصير أكثر تجريدا وانسلاخا عن الواقع. يتشكل في البداية حول أهداف يضعها الراشدون، وعندما يتمحور بناؤه حول هدف يحدده الطفل من تلقاء نفسه يصبح مرشحا لأن يتحول إلى خطة. وغالبا ما يستعمله الأطفال منذ وقت مبكر كوسيلة للتحكم في مختلف الأنشطة المعرفية الاجتماعية التي يقومون بها كالتعبير اللغوي وتركيب الجمل، وتعلم المفردات الجديدة واستعمالها، والحفظ والتذكر، والخيال والإبداع، والتفاعل والتواصل مع الآخرين         Nelson, 1986. 1997)). وبذلك يمكن اعتبارها الأساس الذي تقوم علية العمليات فوق-المعرفية.
ومن هنا تتبين أهمية التمثلات النموذجية كعامل من العوامل التي تساهم بشكل كبير في تشكل البنية المعرفية ونموها. وتجدر الإشارة أخيرا إلى أنها تتشكل في غمرة تجارب الحياة اليومية بواسطة ما تسميه كاترين نلسن التفاعل بالمشاركة participatory interaction. وهو شكل من أشكال التفاعل الذي يراعى فيه إشراك الناشئة في مختلف الأنشطة الاجتماعية بشكل مقصود وهادف. ويذهب بعض المحللين إلى أن هذا النوع من التفاعل هو المفتاح الذي لا غنى عنه لولوج ما استغلق في مجال فهم آليات النمو المعرفي والتعلم. في هذا الإطار دافعت بربرا روغف Rogoff عن الفكرة التي تقول إن النمو المعرفي والتعلم يتحققان من خلال ما تسميه بالمشاركة الموجهة المتحولة. يتجلى مستوى النمو حسب هذه النظرية من خلال مدى قدرة الفرد على المشاركة النشيطة في الأنشطة الثقافية وفي درجة فهمه لها ومقدار ما يتحمله من المسؤولية في أدائها. وتزداد قدرته على التعلم كلما غير أسلوبه في المشاركة في الاتجاه الذي يصبح فيه نصيبه من المسؤولية أكبر وقدرته على التخطيط وتحديد الأهداف والتنسيق بين الأدوار أعظمRogoff, 1995)).تتفق هذه النتائج مع ما توصلت إليه نلسن Nelson وتنسجم مع النظريات التي تعرضنا لها في الفقرة السابقة.
تؤكد هذه الدراسات الفكرة القائلة بأن البنية المعرفية لا تتشكل في استقلال عن بنية المحيط. فإذا كان المحيط المعرفي منظما يزداد احتمال اتساق العناصر المعرفية مع بعضها في الذهن. وينشأ الالتباس والفوضى في الذهن في سياق غير منظم أو أسيء تنظيمه، وتتعاظم صعوبات التعلم، وتتباطأ وتيرة النمو. لا يمكن الفصل من وجهة النظر هذه بين طبيعة الواقع المعرفي وطريقة التفكير فيه وكيفية تمثله أو بين خصائص المحيط وخصائص الفرد المعرفية. هذا ما يدل عليه مفهوم التكيف المتبادل بين الفرد والمحيط في النظرية الإيكولوجية لجبسن Gibson وغيره من الباحثين الذين ساروا على نهجه (Shotter and Newson, 1982). وتدل نتائج هذه الدراسات أيضا على أن الفاعلين التربويين، سواء كانوا آباء أو مدرسين، هم الذين ترجع إليهم مهمة إعداد المحيط بما يناسب التعلم والتفكير المنظم في القضايا المطروحة في سياقه. ويجب أن يكونوا على وعي بذلك. ويعتبر التفاعل بين الأشخاص في إطار هذه النظرية عنصرا أساسيا من عناصر السياق.

par Ahmed AGHBAL
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mardi 6 novembre 2007

نظريات النمو المعرفي والتعلم لدى فيكوتسكي والفيكوتسكيون الجدد
أحمد أغبال
تعتبر البحوث التجريبية التي أشرف عليها دويز Doise من الأعمال الرائدة التي تصدت لمسألة العلاقة بين النمو المعرفي وشروط الحياة الاجتماعية. أنطلق هذا الباحث من فرضية أساسية مفادها أن النمو المعرفي هو نتاج التفاعل الاجتماعي الذي يتسبب في الصراع والتضاد المعرفي cognitive conflict أو تعارض وجهات النظر. تنص هذه الفرضية على أن « التعارض بين مراكز الرؤية المعرفية cognitive centrations في وضعية التفاعل الاجتماعي هي العامل الأكثر تأثيرا في النمو المعرفي بالمقارنة مع تأثير تعارض مراكز الرؤية لدى الفرد الواحد »-(Doise and Mugny, 1979, p.2). بلور دويز هذه الفرضية انطلاقا من نظرية بياجي التي تقول إن الطفل خلال المرحلة قبل-الإجرائية ينظر إلى المهمة المعرفية التي يواجهها من زاوية نظره الخاصة، ويركز بالتالي على بعض جوانبها ويهمل الجوانب الأخرى. واستنتج من ذلك أن النتائج التي يتوصل إليها قد تتعارض مع النتائج التي يتوصل إليها طفل آخر بسبب اختلاف مركز الرؤية. يتوقع بناء على ذلك أن ينكشف لهما التعارض بين وجهتي نظرهما خلال عملية التفاعل، وأن يعمل كل واحد من جهته على تنسيق وجهة نظره إلى المشكلة المطروحة مع وجهة نظر الطرف الآخر والبحث عن حل مشترك.
هكذا يساعد التفاعل بين الأفراد على تجاوز نزعة التمركز حول الذات التي تعتبر العائق الأساسي الذي يحول دون تنامي القدرة على الاحتفاظ. ذلك ما أكدته نتائج البحوث التي قام بها دويز وزملاؤه. فقد توصل إلى أن التفاعل بين الأطفال يساعد على رفع مستوى الأداء ويعزز القدرة على الاحتفاظ. وتوصل أيضا إلى أن « بنية الإنجاز الجماعي تكون أكثر تطورا من بنية الإنجازات التي يحققها أعضاء المجموعة الذين يشتغل كل واحد منهم على انفراد »(Mugny and Doise, 1978, p. 190). وتبين له أن « الأطفال الذين يستعملون استراتيجيات معرفية مختلفة يحرزون تقدما أكبر عندما يشتغلون في مجموعات بالمقارنة مع الأطفال الذين يستعملون استراتيجيات متماثلة ويشتغلون بنفس الطريقة »(المصدر السابق، ص. 181). واستنتج من ذلك أن آليات النمو ترتكز على التفاعل الاجتماعي وتستمد مقوماتها من مبادئ التعارض والتنسيق بين زوايا النظر إلى الأشياء وبين مختلف الاستراتيجيات ولو كانت سيئة وغير سليمة. تؤدي محاولات التنسيق الناشئة عن الرغبة في حل التناقض الذي تسبب التفاعل في نشوءالوعي به إلى إعادة تنظيم البنية المعرفية بشكل تدريجي.
تنسجم هذه النتائج مع ما توصل إليه غلاشن Glashan ولايت Light في تجربة أجريت على مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين السنة السابعة والسنة التاسعة استهدفت بيان أثر التفاعل بين الأقران peerinteractionفي عمليةالتعلم. كان المطلوب من الأطفال هو حل مشكلة تتعلق بإعادة ترتيب بعض العناصر في لعبة تسمى the Tower of Hanoi وفق منطق معين مع مراعاة القواعد والشروط الملزمة. تم تقسيم الأطفال إلى مجموعتين: يشتغل أفراد المجموعة الأولى على انفراد، ويشتغل كل فرد من أفراد المجموعة الثانية بالتعاون مع زميل له. وتوصل الباحثان إلى أن التفاعل بين الأقران يتسبب في ارتفاع مستوى الأداء بشكل جوهري، ويكتسب الأفراد الذين كانوا يشتغلون بطريقة عشوائية أثناء الاختبار القبلي استراتيجيات فعالة وقدرة أكبر على التعلم. ولكن الأطفال الذين يستفيدون أكثر من التفاعل هم أولئك الذين كانوا يتوفرون من قبل على استراتيجيات واضحة، ذلك لأن الاستراتيجية تؤهل الفرد لأن يتموقع بالنسبة للمشكلة المطروحة وأن ينظر إليها من زاوية معينة فيحصل له الوعي بتعارض وجهات النظر إليها، ويسعى بالتالي جاهدا إلى التنسيق بين مختلف زوايا النظر. لا يمكن للفرد أن يعيش تجربة الشعور بالتعارض ما لم تكن لديه خطة أو استراتيجية واضحة للعمل. ومع ذلك فإن الأطفال الذين يفتقرون إلى الخطط والاستراتيجيات يكتسبونها خلال عملية التفاعل. هذا بالإضافة إلى أن « التفاعل بين الاستراتيجيات السيئة أو الأقل تطورا يؤدي إلى تبلور استراتيجيات جيدة، يمكن القول بعبارة أخرى إنه يمكن لضالين أن يهتديا إلى الصواب »(Glashan andLight, 1982, p. 258). وأما المنطق الذي يفسر هذا التحول فهو أن كل طفل يقوم بإجراءات لا تتناسب مع استراتيجية زميله فيحصل الاضطراب في الاستراتيجيات المعتمدة، وتتزعزع ثقتهم بها، ويهتديان في النهاية من خلال العمل المشترك إلى إجراءات إيجابية ما كان لها أن تخطر على بال أي واحد منهما من قبل. إن التفاعل بين الأقران يعرض الاستراتيجيات الرديئة إلى البلبلة والاضطراب.
توصل وليام دامن Damon إلى نتائج مماثلة في دراسة تناول فيها موضوع التعاون بين الأقران في مجال تعلم الرياضيات والعلوم. قام هذا الباحث في عمل مشترك مع فلبس Phelps بتوزيع أفراد عينة البحث من ذوي الخبرة القليلة novices إلى فئات تضم كل فئة تلميذين لهما قدرات متكافئة. وطلب منهم حل المشكلات التي عجز كل واحد منهم على حلها من قبل. (Damon and Phelps, 1989). توصلت الدراسة إلى أن التعاون بين الأقران يحدث تحولا جذريا في أسلوب التفكير، ويضاعف ويزيد من قدرة الفرد على معالجة القضايا الرياضية المعقدة، حيث يعزز الميل إلى التعلم بالاكتشاف discovery learning، ويشجع التلميذ على اختبار الأفكار الجديدة التي ما كان لها أن تخطر على باله لو ظل ينظر إلى الأشياء من زاوية نظره الخاصة. وأكدت التجربة أن التعاون بين الأقران يحدث تحولا مفاجئا في البنية المفاهيمية للفرد، ويمكنه من اكتساب تلك القدرات التي يتفق الجميع على صعوبة تلقينها كالقدرة على الاحتفاظ والقدرة على رؤية الأشياء وفقا لأهميتها النسبية من منظور معين perspective taking. هذا مع العلم بأن هذه القدرات تمثل المتغيرات الحاسمة في عملية النمو المعرفي.
لم تكن الظروف قد تهيأت بعد في بداية الثمانينيات من القرن الماضي لقبول هذه الأفكار من طرف العديد من الأكاديميين ورجال التربية على حد سواء في البلدان المتقدمة بدعوى أنه لا يعقل أن تحرز مجموعة من « البلهاء » تقدما بواسطة اللغو الذي يعوزه الوضوح والمعنى والترابط.وما أن مرت بضع سنين حتى انقلبت الآية، وتم الاعتراف على نطاق واسع بأهمية وفعالية أسلوب التعلم بواسطة التفاعل بين الأقران operative learning -co. وفي عام 1987 تبنت هيئة المدرسين المهنية على الصعيد القومي في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل رسمي مطلب إدماج هذه التقنية في برامج تكوين المدرسين. وفي العقد الأخير من القرن العشرين تزايد اهتمام الباحثين أكثر بموضوع التعلم عن طريق التعاون بين الأقران، واقترحت نماذج عديدة ومتنوعة تتعلق بكيفية تنظيم العمل الجماعي وتدبيره ( أنظر بهذا الصدد:(Ashman and Conway. 1997):. وشاع استعمالها كتقنية من تقنيات التدريس في المدارس الأمريكية
 
par Ahmed AGHBAL
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander

Publicité

Créer un blog sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur avec TF1 Network - Signaler un abus