Dimanche 20 janvier 2008

 

المراجع
Barcker, W. and Newson, L. (1979). «The development of social cognition:definition and location». In S. Mogdal and C. Mogdal (eds), toward a theory of psychological development, Windsor , NFER.
Biggs, J.B.& Collis, K.F.(1982). Evaluating the quality of learning:  The SOLO taxonomy.         Sydney: Academic Press .
Biggs, P.J. Moore (1993).Process of learning, New York, London, Toronto, Sydney: Prentice Hall, Third edition.
Case, R. (1992). «The role of central conceptual structures in the development of children’s scientific and mathematical thought». In A. Demetriou, M. Shayer & A. Afklides (eds), The modern theories of cognitive development, London: Routledge and Kegan Paul.
Case, R. (1985). Intellectual development : A systematic reinterpretation, New York: Academic Press .
Case, R. (1982). Cognitive development . New York : Academic Press .
Case, R. (1984a). «The process of stage transition : A neo-piagian view». In W. Kessen (ed), Mecanisms of cognitive development . New York : Freeman .
Case, R. (1984b).. Intellectual development . New York : Academic Press .
Damon, W.(1981). «Exploring children’s social cognition on two fronts», in J.H. Flavel (ed), Social cognitive development: frontiers and possible futures, Cambridge: Cambridge University Press.
Das, J.P. (1984). “Aspects of planning”. In J.R. Kirby (ed), Cognitive strategies and educational performance .Orlando, San Diago,San Francisco,New York, London : Academic Press INC .
Das, J.P., Kirby, J.R. & Jarman, R.F. (1979). Simultaneous and successive cognitive processes . New York : Academic Press .
Demetriou, A. (ed),(1988). The neo-piagetian theories of cognitive development. Amsterdam: North-Holland .
Fischer, K. & Silvern, L. (1985). «Stages and individual differences in cognitive development». Annual Review of Psychology , n° 36 , pp. 613-648
Fischer, K.W. & Pipp,S..(1984).«Processes of cognitive development :Optimal level and skill acquisition ». in R.J. sternberg, (ed). Mechanisms of cognitive development  New York : Freeman .
Fischer, K.W. , Hand, H.H. & Russell, S. (1983). «The development of abstractions in adolescence and adulthood» In M. Commons, F. Richards, & C Armond (eds), Beyond formal operations , New York : Praeger .
Fischer, K.W. & Kennidy, B.P. (1997). «Tools for analyzing the many shapes of development : The case of self-in-relationships in Korea» in E. Amsel.& K..A.Renninger (rds). Change and development : Issues of theory, method and application . London : Lawrence Erlbaum Associates .
Ginsberg, H.P (1981). «Piaget and education». In I.E. Siegel et al (eds), New directions in piagetian theory and practice, Hillsdale: Lawrence Erlbaum.  
Glachan, M. and Light, P.(1982). «Peer interaction and learning: can two wrongs make a right». In G. Butterworth and P. Light (eds). Social cognition: studies of the development of understanding, London: The Harvester Press.
Hamlyn, D.W. (1983). Perception, learning and the self, Routledge and Kegan Paul, LTD.
Hunt, E. (1980). «Intelligence as an information processing concept» . British Journal of Psychology, n° 71. pp. 449-474 .
Kessen, W. (1984). «Introduction . The end of the age of development». In R.J. Sternberg, Mechanisms of cognitive development, New York : Freeman .
Kirby, J.R. (1984),(ed). Cognitive strategies and educational performance Orlando, San Diago, San Francisco, New York, London : Academic Press Inc.
Kirby, J.R. (1984a). “Stategies and processes”. In J.R. Kirby (ed), Cognitive strategies and educational performance .Orlando, San Diago,San Francisco,New York, London : Academic Press INC .
Kirby, J.R. (1984b). “Educational roles of cognitive plans and strategies”. In J.R. Kirby (ed), Cognitive strategies and educational performance .Orlando, San Diago,San Francisco,New York, London : Academic Press INC .
Siegler, R.S. (1997). «Concepts and methods for studying cognitive change», in E. Amsel & K..A.Renninger (eds). Change and development : Issues of theory, method and application . London : Lawrence Erlbaum Associates .
Vygotsky, L.S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes. London: Cambridge, Massachusetts, Harvard University Press .
 
 
par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Dimanche 13 janvier 2008

 

مفهوم الصداقة عند أرسطو
أحمد أغبال
إن الأخلاق، كما يتصورها أرسطو، هي فن العيش الرغيد المحفوف بالسعادة.؛ ولا يتحقق رغد العيش والشعور بالسعادة إلا في جو من المحبة والألفة والصداقة الحميمة. إن الصداقة الحقيقية، في نظره، هي العنصر الحاسم في تشكل ما يسميه بـ"الحياة الجيدة" أو الحياة الرغيدة، وهي السبيل الأمثل لتحقيق رفاهية الإنسان. كيف برر أرسطو أطروحته هذه؟ لماذا اعتبر الصداقة شرطا ضروريا لتحيق الرفاهية ورغد العيش؟
ترتكز فلسفة الأخلاق الأرسطية على فكرة مفادها أن مبدأ الأخلاق يوجد في الطبيعة الإنسانية وله علاقة بكنه التجارب الحياتية. والمقصود بالطبيعة الإنسانية هنا مجموعة من الخصائص الجوهرية الضرورية لوجود الإنسان. ومن المصادرات الأساسية التي ترتكز عليها نظريته في الأخلاق قوله: إن لكل شيء وظيفة، وأن سعادته تتحدد بمدى قدرته على أداء تلك الوظيفة بنجاح؛ تكمن وظيفته العازف، مثلا، في العزف على آلة ما، ويشعر بالسعادة إن هو أتقن العزف عليها. وهكذا، فإذا كان لابد أن تكون للإنسان وظيفة ما، فإن سعادته تتوقف على مدى نجاحه في أداء تلك الوظيفة. وإذا كان لكل كائن من الكائنات الموجودة في هذا العالم وظيفة تؤديها، فما هي الوظيفة التي يتميز بها الإنسان عن غيره؟ إنها وظيفة التفكير والتعقل وكل الوظائف التي تنشأ عن نشاط العقل. وهكذا، فإن الإنسان الفاضل هو الذي يهتدي في أفعاله وطريقة عيشه بنور العقل، ولابد لهذا الإنسان أن يعيش حياة سعيدة، لأنه يعرف ماذا يجب وماذا لا يجب عليه أن يفعل لتحقيق رفاهيته. 
وإذا كان الخير الأسمى هو السعادة، كما يقول أرسطو، وكانت السعادة هي أسمى الفضائل الإنسانية كلها باعتبارها غاية في ذاتها، فأن بلوغها لا يتحقق إلا من خلال أداء الإنسان لوظائفه على أحسن وجه، ومعنى ذلك أن يعمل طبقا للفضيلة. يدل ذلك على أن السعادة كما يتصورها أرسطو ليست مثلا من المثل الأفلاطونية المجردة المتعالية عن ظروف الزمان والمكان، ولكنها شعور من المشاعر الإنسانية التي تتحقق من خلال العلاقات الإنسانية التي يقيمها الفرد مع غيره والأنشطة الاجتماعية التي يقوم بها. بحيث يمكن القول إن غاية كل علاقة إنسانية وكل نشاط اجتماعي هي تحقيق الرفاهية ورغد العيش طالما أن الإنسان يهتدي في كل ذلك بنور العقل. وتعتبر الصداقة الحميمة من الحاجات الإنسانية الضرورية لتحقيق حياة رغيدة مملوءة بالأفراح والمحبة والأمل.
يستعمل أرسطو مفهوم الصداقة philiaبالمعنى العام للكلمة، فهو يدل، من جهة، على علاقة التفاعل أو التجاذب المتبادل بين شخصين، ويدل من جهة أخرى على المعاشرة والرغبة في التعاون مع الغير في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والتجارية والسياسية والأسرية... ومن هنا ميز أرسطو في الصداقة بين ثلاثة أنواع:
1.        الصداقة المبنية على أساس المنفعة: تتحدد قيمتها في نظر الفرد بمقدار ما يمكن أن يجني مقابل ما يعطي؛
2.        الصداقة من أجل المتعة: تتحدد قيمتها بدرجة الشعور بالأنس والبهجة عند الحديث مع الطرف الآخر؛
3.        صداقة الناس الطيبين الذين يحبون بعضهم بعضا لأنهم طيبون.
يرى أرسطو أن صداقة المنفعة وصداقة المتعة يمثلان أنواع الصداقة غير الكاملة أو العرضية لأنها تخضع لتأثير الملابسات الظرفية، ولا تدوم إلا بدوام المنفعة أو المتعة. وأما صداقة الأخيار الذين يحب بعضهم بعضا لطيبوبتهم فهي صداقة الفضيلة التي هي أتم أنواع الصداقة لأن كل طرف يريد الخير للآخر ولا يقصد من وراء ذلك مصلحة خاصة، هذا بالإضافة إلى أن كل طرف يجلب المنفعة والمتعة للطرف الآخر من غير أن تكون المنفعة أو المتعة هي الهدف الأساسي المتوخى من الصداقة.
وعندما يقول أرسطو إن الصداقة ضرورية للحياة الخلقية الفاضلة، فإنه يقصد بذلك الصداقة الكاملة التي هي صداقة الفضيلة. وأما ما يجعل منها الشرط الضروري للحياة السعيدة فهي خصائصها التي تتجلى من خلال قدرتها على تنمية قدرتنا على التفكير والسلوك بطريقة عقلانية؛ ذلك لأننا نتعلم طرق التفكير والسلوك من الآخرين. ولما كان للتفكير والسلوك لا يطلبان لذاتهما، بل باعتبارهما وسائل لبلوغ الخير الأسمى المتمثل في السعادة، اعتبرت الصداقة الشرط الضروري لتحقيق السعادة. وتتجلى مظاهر الصداقة من خلال أشكال التفاعل التالية:
§        يريد الصديق الخير لصديقه ويعمل كل ما فيه خير من أجله.
§        يرغب الصديق في أن يعيش صديقه حياة كريمة، ويريد تحقيق ذلك من أجله.
§        يقضي الصديق وقتا مهما مع صديقه؛
§        يختار الصديق لنفسه ما يختار صديقه لنفسه؛
§        يشاطر الصديق أفراح وأتراح صديقه.
تلك هي مواصفات علاقة الصداقة في نظر أرسطو، وهي تؤشر على المودة والمحبة الخالصة. ولكن المبدأ الأساسي الذي يقف خلف مختلف أشكال التفاعل بين الأفراد هو مبدأ "حب الذات"؛ ومن هنا تأتي المصادرة الأساسية التي تقوم عليها نظرية الصداقة عند أرسطو وهي أن "حب الذات" يمثل مصدر الرغبة في تحقيق السعادة بواسطة الصداقة. ومما يترتب عن هذا المبدأ أن علاقتنا بأنفسنا تحدد علاقتنا مع غيرنا الذي يشبهنا. فإذا كان حب الذات هو الأساس، فإنه يجب أن يحب المرء لنفسه ما يحب لغيره باعتباره أنا آخر، أي مثيلا له.  
وإذا كان الصديق "أنا آخر" حسب تعبير أرسطو فإنه من المنطقي أن يحب الصديق لصديقه ما نحب لنفسه. إن الصديق هو من يطلب الخير لغيره الذي يمثل صورته مثلما يطلبه لنفسه، ويريد لغيره السعادة مثلما يريدها لنفسه. من الواضح أن الصداقة من وجهة النظر الأرسطية لا تعني التضحية بالذات من أجل الغير، ولا تعني العناية بالغير على حساب العناية الذات، بل تدل على نوع من التماهي بين الأنا والغير؛ فحب الذات وحب الغير سيان في فلسفة أرسطو، وربما كان حب الغير من حب الذات عنده، وربما كانت الصداقة امتدادا لحب الذات. وهذا ما يدل عليه قوله إن الغير هو أنا آخر، ولذلك لزم التعامل معه مثلما نتعامل مع أنفسنا أو كما لو كان جزءا من ذواتنا. قد يأخذ عليه البعض وقوعه في نوع من النرجسية والأنانية التي تذهب إلى حد إسقاط الذات على الغير في محاولة لطمس هويته المتميزة وتذوبها في بوتقة الأنا ورغباته وانفعالاته. ويرد البعض الآخر على أن مفهوم "حب الذات" عند أرسطو إنما يصدر عن العقل العملي الذي يوجه حياة الإنسان وفقا لمبدأ الفضيلة، لا عن الانفعالات، ويرتبط بالرغبة في فعل الخير المتعالي عن المصالح الأنانية. إن حب الذات بهذا المعنى ضروري ومفيد للصداقة، لأن الفضيلة العقلية تقتضي أن تريد لصديقك ما تريد لنفسك، وأن توسع مجال مصلحتك بحيث تصبح معنيا بسعادة الغير باعتبارها مصدرا لسعادتك.
وهكذا، فإذا كان الإنسان يهتدي بنور العقل في علاقاته مع أصدقائه، فسيجد أن له مصلحة في سعادتهم. ولا يمكن أن يتحقق التماهي بين سعادة المرء وسعادة صديقة إلا إذا كان شخصا فاضلا، لان الإنسان الفاضل هو الذي يكون منسجما على الدوام مع نفسه ومع غيره ما دام العقل هو القاسم الأساسي المشترك بينهما. ولما كانت علاقة الصداقة مبنية على أساس عقلي، وليس على المزاج المتقلب والمنفعة، فسيكتب لها النجاح والثبات والاستمرار.
وإذا كانت الصداقة فضيلة من الفضائل التي تمكن الفرد من تحقيق السعادة التي يعتبرها أرسطو غاية في ذاتها، فهل يحتاج الإنسان الذي يغمره الشعور بالسعادة إلى الأصدقاء؟ سؤال فرض نفسه على أرسطو نفسه، ذلك لأن القول بأن السعادة هي الخير الأسمى يوحي بأن الشخص السعيد لم يعد في حاجة لأي شيء طالما أن الفضائل الخلقية ليست إلا وسائل وطرقا لبلوغ السعادة. ولكن أرسطو لم يقبل هذا الدليل بدعوى أنه لا يأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الإنسانية: فالإنسان، حسب أرسطو، اجتماعي بطبعه، ولا يمكن بالتالي أن يعيش بمعزل عن الآخرين. إن الطبيعة الإنسانية تفرض على الإنسان أن يرتبط بغيره، ولما كانت الصداقة فضيلة من الفضائل الخلقية، وكانت أعظم نعمة من النعم التي ينالها الإنسان في حياته، فإن أحسن رابطة يمكن للشخص الفاضل أن يقيمها مع غيره هي رابطة الصداقة. ومن أدلته على ذلك أيضا قوله: إن من يكون محبا أفضل ممن يكون محبوبا، وأن من يعطي ويُمَتِعُ أفضل ممن يأخذ ويستمتع، لأن الفضيلة تكمن في الكرم والعطاء، وإنما يحتاج الإنسان إلى أصدقاء لتحقيق هذه الفضائل. وعلى الجانب الآخر، فإن الأصدقاء الطيبين يساعدون الشخص على تهذيب أخلاقياته ومزاجه، وتطوير قدراته الفكرية والعملية، والارتقاء في مراتب الكمال.
وإذا كانت الطبيعة الإنسانية تدفع كل فرد إلى إقامة علاقات مع الآخرين، فإنه من الأجدر بكل فرد أن يقيم علاقات طيبة مع غيره لبناء مجتمع يتيح لكل فرد إمكانية تطوير قدراته وتحقيق ذاته، ومن ثمة تحقيق سعادته. وأما الفرد الذي يعيش بمعزل عن الآخرين أو خارج المجتمع، فإنه لابد أن يفقد هويته الإنسانية. ولذلك فإن الوظيفة الأساسية التي يجب أن يؤديها كل فرد فهي تحقيق هويته الإنسانية من خلال العيش في وئام وانسجام مع الآخرين داخل المجتمع وخاصة مع الأصدقاء. ولكن، ليس باستطاعة الفرد، في نظر أرسطو، أن يوسع دائرة الصداقة لتشمل عددا كبيرا من أفراد المجتمع، ولا يستطيع أن يقيم علاقات الصداقة الحميمة الخالصة إلا مع عدد قليل منهم لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة حتى ولو كان جميع أفراد المجتمع مواطنين أفاضل.. وأما دليله على ذلك فهو أن من شروط الصداقة الخالصة الحميمة أن يقضي الفرد وقتا طويلا برفقة صديقه حتى يتعرف كل طرف على الطرف الآخر ويألفه من خلال مزالة نفس الأنشطة والتآزر والتعاون بينهما؛ ولا يسمح ضيق الوقت بقيام مثل هذا النوع من التفاعل المكثف والمستمر بين عدد كبير من أفراد المجتمع.
ولكن، ما الذي يجعل التفاعل مع الأصدقاء يحظى بمكانة الصدارة في أخلاق أرسطو مقارنة بالتفاعل مع المواطنين على المستوى السياسي؟ لماذا لا يمكن للتفاعل مع المواطنين أن يحقق للمرء ما يحققه التفاعل مع الأصدقاء؟ لا يقدم لنا أرسطو جوابا مقنعا على هذه التساؤلات، ولكنه يؤمن بأن العمل من أجل تحقيق سعادة المجتمع أفضل من السعي إلى تحقيق سعادة فرد واحد، وأن مجال الحياة الشخصية لا يمثل المجال الوحيد والأمثل لتحقيق الفضيلة، ويؤمن أيضا بأن ضياع دائرة العلاقات البيشخصية يلحق الأذى بالفرد ويتسبب في شقائه، فالطفل يحتاج بالضرورة إلى أبويه مهما كان المجتمع فاضلا، وكذلك يحتاج الفرد لأصدقائه حتى ولو كان جميع المواطنين الذين يتفاعل معهم طيبين. ومهما كان من أمر ذلك كله، فإن الفرد الذي اكتسب روح المعاشرة الصادقة من خلال التفاعل مع الأصدقاء يكون أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع المواطنين الآخرين. ولذلك تعتبر الصداقة فضيلة خلقية سامية، لأنها تساعدنا على العيش في انسجام ووئام مع الغير سواء كان قريبا أو بعيدا.    
وخلاصة القول إن لمفهوم الصداقة عند أرسطو دلالات أخلاقية واجتماعية من حيث أنها تستمد مبادئها الأساسية من الطبيعة الإنسانية كما يتصورها، ومن حيث أنها تمثل أحد العناصر الأساسية التي تقوم عليها الحياة الفاضلة الرغيدة. وتكمن أهميتها أيضا في كونها تساعد على النمو الذاتي للشخص من خلال التفاعل الإيجابي مع الغير الصديق.
par Ahmed AGHBAL publié dans : دروس
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Lundi 7 janvier 2008

 

معرفة الغير
  
هل يمكن معرفة الغير؟ وإذا افترضنا أن معرفة الغير ممكنة، فكيف يتسنى لنا ذلك ؟
ما الذي يجعل هذا السؤال مشروعا من الناحية الفلسفية؟ أو بعبارة أخرى، ما الذي يجعل كل محاولة لمعرفة الغير تصطدم بمشكلات كبيرة ؟ لماذا يكون من الصعب معرفة الغير؟ ربما ارتبطت الصعوبة بكيفية تصورنا لطبيعة وجوده. إن القول بإمكانية معرفة الغير أو باستحالة معرفته يتوقف بالدرجة الأولى على تصوراتنا لكيفية وجوده في العالم: هل هو ذات مفكرة، أنا آخر يتمتع بالوعي والإرادة أم أنه موضوع من الموضوعات؟ وتختلف تصورات الفلاسفة لطبيعة وجود الغير حسب زوايا نظرهم إلى الإنسان بصفة عامة وإلى وجود الأنا بصفة خاصة.
والحقيقة أن إشكالية وجود الغير ومعرفته لم تطرح بشكل جدي إلا في العصر الحديث ابتداء من ديكارت بالخصوص. وأما ما جعل هذه الإشكالية تفرض نفسها على المفكرين من بعده بقوة فهو قوله أن الحقيقة البديهية الأولى التي تدرك بشكل فوري ومباشر فهي حقيقة الكوجيطو: "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، وهنا برزت الأنا لأول مرة باعتبارها الحقيقة اليقينية الأولى، أما الأشياء الأخرى والآخرون فإن وجوهم غير يقيني، بمعنى أنه لا يوجد دليل قاطع على أن لها وجود فعلي، فقد نشكل أفكارا عنها، ولكننا لا ندري ما إذا كان وجودها الفعلي هو ما ندركه بشكل مباشر. وهكذا فإذا كان إدراك الأنا قد تم بشكل مباشر وبديهي، فإن إدراك الغير هو إدراك غير مباشر وغير يقيني.
ومما يترتب عن ذلك أيضا أن وجود الغير ليس ضروريا لوجود الأنا في نظر ديكارت؛ فالأنا هي ذات مفكرة مكتفية بذاتها، تستمد وجودها من ذاتها، ولا يتوقف وجودها على وجود غيرها، إنها المطلق. وبهذا يكون ديكارت قد انزلق إلى براثن النزعة الفردانية solipsisme التي تقول بأن الذات المفكرة توجد بمعزل عن وجود الآخرين في العالم. كل فرد، من وجهة النظر هذه يشكل عالما خاصا منغلقا على ذاته. وما يترتب عن ذلك استحالة التواصل مع الغير ومعرفة عوالمه الداخلية. كل ما يمكن معرفته منه هي مظاهره الخارجية، ومما يدل على ذلك قول ديكارت في تأملاته الميتافيزيقية الثانية:
"إذا حصل أن شاهدت بمحض الصدفة رجالا يمرون في الشارع، فلا يفوتني القول عند رؤيتهم إنني أرى رجالا، تماما مثل قولي: إنني أرى شمعا؛ ومع ذلك، ما عساي أن أرى من خلال هذه النافذة غير قبعات ومعاطف ربما تغطي أشباحا أو كائنات اصطناعية على هيئة رجال تحركهم دواليب. لكنني أجزم بأنهم أناس حقيقيون. وهكذا أفهم بفضل القدرة على الحكم وحدها، التي ينطوي عليها عقلي، ما كنت أعتقد أني أراه بأم عيني"
يدل هذا النص على أن ديكارت يشك في وجود الغير بوصفه ذاتا مفكرة واعية، فهو يرى القبعات والمعاطف ويحكم جازما بأنهم أناس، ولكنه لا يدري على سبيل اليقين ما إذا كانت تلك الهياكل أو الأجساد التي يراها تنطوي في داخلها على حياة شعورية ووعي. إن الإدراك الحسي المباشر لا يخبره بوجود الوعي فيما يراه، ولكن، بإمكانه أن يفترض ويستنتج من خلال نوع من الاستدلال العقلي وجود الوعي في تلك الأجسام، أو أن يصدر حكما ويقرر جازما أن ما يراه كائنات إنسانية تتميز مثله بالوعي والإرادة. ولكنه لا يدرك هذه الحالات إدراكا فوريا مباشرا مثلما يدرك حالاته الشعورية، بل يدركها بشكل غير مباشر وعبر وسيط (الاستدلال). وهكذا، فعندما أرى أجساما تكسوها جلاليب أو قبعات ومعاطف أعلم أن وراءها حياة شعورية ووعيا. إن هذا النوع من الاستدلال يوحي بوجود حياة داخلية خلف جسد الغير، ولكنه لا يمكنني من إدراكها بشكل مباشر ومن معرفة طبيعتها الخاصة.
وإذا نظرنا إلى الإشكالية المطروحة في ضوء النص السابق، الذي يلخص وجهة نظر ديكارت، فسنجد أنفسنا أمام احتمالين اثنين:
إما أن معرفة الغير لا يمكن أن تتجاوز المظاهر التي تبدو منه للعيان (خصائص الجسد وسماته الفيزيولوجية)؛ وإما أن معرفته يمكن أن تتحقق بواسطة نوع خاص من القياس وهو الاستدلال بالمماثلة الذي لا يوظف العمليات العقلية كوسائط، وإنما يطمح إلى إدراك الحياة الشعورية للغير بشكل فوري ومباشر، وهو النهج الذي سار عليه هوسرل للدفاع عن أطروحته التي تعتبر امتدادا وتطويرا للحل الذي اهتدى إليه ديكارت لتجاوز النزعة الفردانية التي أوقعه فيها الكوجيطو. تتلخص أطروحة هوسرل في إمكانية التوصل إلى معرفة الحياة الداخلية للغير انطلاقا من تجاربنا الشخصية في الحياة.
يرى هوسرل أن معرفة الغير لا تمر عبر وسائط البرهان العقلي كما يعتقد ديكارت، بل تنطلق من إدراك الجسد؛ ذلك لأن الغير يقدم نفسه كجسد ويتجلى من خلاله؛ فعندما أرى جسد الغير أفهم تعبيرات ملامحه في ضوء تجربتي مع جسدي الذي هو المحل الذي تجري فيه وقائع حياتي الشعورية، ويحصل لي اليقين على الفور بأن الجسد الماثل أمامي ينطوي في أحشائه على حياة شعورية داخلية. فإن رأيت احمرارا على وجنتيه أدركت على الفور أنه يعاني من الشعور بالخجل، لأنني مررت بهذه التجربة الشعورية في السابق وكان لها نفس الأثر على وجهي باديا للعيان. لقد أدركت ذلك على الفور عن طريق ما يسمى بالاستدلال بالمماثلة. يشتغل هذا النوع من الاستدلال على النحو التالي:
1.        أنطلق من نفسي، فألاحظ وجود علاقة بين جسدي وبين تجاربي الشعورية وحالات الوعي التي أمر بها؛
2.        ألاحظ وجود تشابه بين جسمي وجسم الغير؛
3.        استنتج وجود حياة شعورية ووعي في جسد الغير، ووجود علاقة بين جسده ووعيه.
فبواسطة هذا الاستدلال يمكنني أن أستنتج من قسمات وجه الغير وسماته الفيزيولوجية حالاته النفسية أو الشعورية بشكل مباشر، لأن أسلوب الاستدلال المعتمد يقوم المقارنة التلقائية غير المفكر فيها (=لا تستخدم العمليات العقلية المجرد) بين أحوال جسدي وأحوال جسد الغير. والدليل على أن هذا النوع من الاستدلال لا يعتمد على العمليات العقلية المجردة هو أن الطفل الصغير يمتلك القدرة على إدراك التجارب الشعورية للآخرين بشكل تلقائي وفقا لطريقة الاستدلال بالمماثلة. وما يأخذ على هذا المنهج هو أنه جعل من الأنا المرجع الذي تقاس عليه أحوال الغير، ويكون من السهل أن يسقط الفرد حالاته الشعورية على الغير. هذا بالإضافة إلى أن الغير كما يتبدى في ضوء هذا المنهج هو الغير كما أتصوره أنا وليس الغير كما يتصور نفسه، فله عندي دلالة خاصة قد تختلف عن الدلالة التي يضفيها هو على وجوده.
ولتجاوز هذه الصعوبة اقترح سارتر منهجا آخر يقوم على تصور مختلف لحقيقة الغير بوصفه أنا آخر. إن حقيقة الغير، في نظره، ليست من جملة الحقائق الباطنية المستغلقة على الفهم والملاحظة، بل هي قضية أحوال لها تمظهرات شتى عبر سيرورة الحياة، تتجلى من خلال سلوكاته، وكيفية تنظيم مجالات حياته وهيكلة محيطه وبشكل يجعله يحمل بصمات تجاربه الشعورية كالخوف والقلق وما إلى ذلك، بحيث يمكن القول إن التجارب الشعورية للغير تلون عالمه وسلوكاته وتصرفاتها.
 
par Ahmed AGHBAL
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Jeudi 3 janvier 2008

كوجيطو سارتر: وجود الأنا في علاقته بوجود الغير
أحمد أغبال
ما هو الحل الذي قدمه سارتر لإشكالية وجود الغير بوصفه ذاتا ؟ وكيف تتحدد علاقته بالأنا عنده؟
حاول سارتر إيجاد حل لهذه الإشكالية انطلاقا من تحليله الفينومينولوجي لبعض التجارب الشعورية كتجربة الخجل. وإنما ركز سارتر في تحليلاته على ظاهرة الخجل لأنها تساعد على إبراز الطبيعة الأنطلوجية للوعي بالذات أو الشيء لذاته le pour-soi. والسؤال المطروح هنا هو: كيف يمكن إثبات أن الغير موجود كذات أو وعي أو شيء لذاته بحيث يمكن لهذا الغير أن ينخرط ويتورط  في عملية تشكل التجارب الشعورية التي تمر بها الأنا كتجربة الخجل وما يرافقها من ظواهر الوعي؟ وقبل أن يقدم سارتر جوابه على هذا السؤال قام بمناقشة أطروحات بعض الفلاسفة، نوجزها في النقط التالية:
1. نقد أطروحة الفلسفة الواقعية: يرى سارتر أن الفلسفة ذات النزعة الواقعة غير مؤهلة بحكم مصادراتها الأساسية(=المعرفة هي نتاج الفعل أو التأثير الذي يمارسه العالم في الذهن أو الوعي) على إيجاد حل لمشكلة وجود الغير. ومن مآخذه الأساسية عليها:
v    أنها تنظر إلى وجود وعي الغير على أنه وجود مفترض، إن وعي الآخر ليس أكثر من فرضية؛
v    أنها تعتمد على الحدس لإثبات وجود ظواهر الوعي، ولكنها تستعمله في حدود ضيقة، ولا تمكن بالتالي من تفسير كيف يحصل إدراك أشكال الوعي والشعور لدى الغير بضرب من الحدس فور التعرف على جسده؛
v    أنها تنظر إلى الجسد على أنه نقطة انطلاق وتشكل الوعي بالأخر مع أن الجسد، الذي يُعْتَقَدُ أن معرفة الغير بوصفه ذاتا مفكرة واعية تنشأ عنه، ليس إلا عنصرا من العناصر الأخرى (=الأجساد) التي تندرج ضمن "الفئة الأجسام" العامة التي لا فرق فيها بين هذا الجسد أو ذاك. وإذا كان الجسد غير متميز عن غيره من الأجساد فكيف يمكنه أن يفصح عن وعي متميز؟ "وإذا كانت الأرواح منفصلة عن أجسادها كانفصال محبرة المداد عن الكتاب، على حد تعبير سارتر، فكيف يمكن أن نتصور الحضور الفوري لأحدهما في الآخر" (الوجود والعدم).
إن اصطدام الفلسفة الواقعية بهذه الصعوبات هو ما جعلها تنقلب إلى فلسفة مثالية في نظر سارتر.
2. نقد أطروحات الفلسفات المثالية: لم تستطع مثالية كانط المتعالية بدورها إيجاد حل لمشكلة وجود الغير، لأنها نظرت إليه بوصفه ظاهرة من ظواهر العالم. وإذا كان الغير، الذي هو أنا آخر، عبارة عن مجموعة من التمظهرات أو التمثلات، فإن الأنا بدوره سيكون مجرد ظاهرة من الظواهر المعطاة هنا والآن، بينما هو في الحقيقة كائن متعالي، بمعنى عبر-زمني تتوحد فيه مظاهر الماضي والحاضر والمستقبل. إنه ليس مجرد تمثل؛ ولذلك فإن العلاقة بين الأنا والغير ليست علاقة بين تمثلات أو علاقة إبستملوجية، إنها علاقة أنطولوجية، بمعنى أن وجود الأنا يستلزم وجود الغير. ومعنى ذلك أيضا أن وعي ذات بوجود ذات أخرى، أو الوعي البيذاتي، له دلالة أنطولوجية. وكذلك أخفقت الفلسفة الهيجلية في الارتقاء بعلاقة الوعي البيذاتية إلى مستوى علاقة أنطولوجية، وعلى الرغم من أنها أخذت بعين الاعتبار واقع الغير، إلا أنها أفقرت العلاقات بين الذوات واختزلتها إلى مجرد علاقة إبستملوجية.
3. نقد أطروحة هوسرل:  ويرى سارتر أن هوسرل أخفق مثل كانط في محاولته لتأسيس معرفة بالغير بوصفه موضوعا متعاليا، وظل ينظر إليه من منظور أمبريقي، ويتعامل معه كما لو كان مجرد موضوع أمبريقي. وإذا كان منهجه الفينومينولوجي قد ساعده على تشكيل فكرة عن الغير، فإنه لم يتمكن من معرفة الغير كما يعرف الغير نفسه، أو كما يتصور نفسه.
4. نقد أطروحة هيدجر: يتفق سارتر مع هيدجر في قوله بأن العلاقة بين الأنا والغير هي علاقة أنطولوجية وليست علاقة إبستملوجية؛ ويختلف معه فيما ذهب إليه من أن العلاقة بين الأنا والغير أو العلاقة البيذاتية هي علاقة تآزر وتكامل؛ ويرى على العكس من ذلك، وفقا للمنطق الهيجلي، أنها علاقة صراع. ومن مآخذه عليه أنه لم يقدم دليلا كافيا ومقنعا على أن "الوجود مع" dasein هو المبدأ الذي تقوم عليه العلاقة التي تجمع بين الأنا والغير في إطار بنية أنطولوجية.
وأما جواب سارتر على السؤال المطروح في مقدمة هذا العرض فيتلخص في أطروحته التي تقول: إن وجود كل من الأنا والغير يستلزم وجود الآخر؛ يمكن القول بعبارة أخرى: إن وجود كل واحد منهما يفصح عن نفسه يوصفه "علاقة وجود"، بمعنى أن كل موجود ينطوي في ذاته على ما يستلزم وجود الموجود الآخر، ويجعل إدراكه أمرا بديهيا كما هو الحال بالنسبة لإدراك الأنا في الكوجيطو الديكارتي؛ وكأننا بصدد نوع جديد من الكوجيطو، وهو كوجيطو الغير، ومعناه إدراك الغير إدراكا فوريا مباشرا باعتباره ذاتا واعية لا موضوعا.
ويتجلى الغير للأنا باعتباره ذاتا في سياق بعض التجارب الشعورية التي يمر بها الفرد عندما يجد نفسه وجها لوجه مع شخص آخر في وضعية حرجة؛ ومن أمثلة ذلك تجربة الخجل التي قام سارتر بتحليلها في كتابه المشهور "الوجود والعدم". يدعونا سارتر إلى أن نتأمل معه حالة رجل يسترق السمع من خلال ثقب الباب على ما يدور بين شخصين في إحدى الغرف؛ وبينما كان منهمكا في فعلته سمع وقع خطى من خلفه؛ التفت فإذا به يرى شخصا ماثلا أمام عينيه، فانتابه على الفور شعور شديد بالخجل. وما كان ليشعر بالخجل لولا أنه أدرك على الفور إدراكا يقينيا لا مجال للشك فيه أنه في مواجهة ذات واعية، ذات حولته بنظرتها على الفور إلى موضوع.
قام سارتر بتحليل تجربة الخجل لدى الشخص المتلصص لبيان ما يطرأ على الوعي من تحولات؛ وبدا له أن هذه التجربة تؤدي إلى حدوث نقلة في الحياة الشعورية للشخص المتلصص من حالة (أ) إلى حالة (ب):
(أ‌)      حالة الوعي الذاتي غير المفكر فيه، وهي الحالة التي يحصل فيها نوع من التماهي بيني وبين أفعالي، ولا أفكر فيها، ولا أصدر بشأنها أي حكم معياري: لا أقول عنها إنها جيدة أو سيئة، خيرة أو شريرة، وإنما أعيش التجربة بنوع من تلقائية والعفوية على طريقة الموجود لذاته le pour-soi..
(ب‌)  حالة الوعي الذاتي غير المفكر فيه التي تصبح فيها الأنا موضوعا عندما ينظر الغير إليها. إن نظرة الغير إلي هي التي  تمكنني من الوعي ببعض الأمور الذاتية التي ما كان من الممكن أن يحصل لي الوعي بها لولا نظرة الغير إلي وأنا في حالة تلبس؛ فعندما يراني الغير أدرك على الفور أن سلوكي مبتذل فأخجل من نفسي أمام الغير، أخجل من الطريقة التي أبدو بها للغير. إن حضور الغير في وعيي بوصفه ذاتا واعية هو الذي جعلني أخجل من نفسي. "وإنه لمن البديهي، يقول سارتر، أن يكون خجلي خجلا غير مفكر فيه، لأن حضور الغير في وعيي [...] لا يتناسب مع الموقف المفكر فيه: ففي حقل نشاطي الفكري لا أصادف غير الوعي الذي هو وعيي. وها قد أصبح الغير يلعب دور الوسيط بيني وبين نفسي، فكان أن خجلت من نفسي كما بدوت لغيري"
لقد حصل تحول جوهري في الأنا منذ أن وقعت تحت نظرة الغير التي حولتها إلى موضوع، وبدا كما لو أنها أصبحت في ملكه، وعن هذه المواجهة تشكلت خصائصها التي هي خصائص بيذاتية كخاصية الخجل. لأن الخجل لا يحصل إلا عند ملاقاة الغير. وهكذا تنكشف الذوات لنفسها ولبعضها البعض من خلال عملية التفاعل، ولكنها عملية معقدة للغاية: ففي تجربة الخجل، تحولني نظرة الغير إلى موضوع، وتلغي وجودي كذات، وأبحث لنفسي عن مخرج من المأزق، ويكون رد فعلي الطبيعي هو العمل على موضعته وجعله موضوعا لي. فإذا كانت نظرته قد ألغت ذاتيتي وحولتني إلى موضوع، فإن نظرتي إليه سيكون لها نفس الأثر. ولكن علاقة التفاعل هذه ليست علاقة ثابتة، إنها علاقة جدلية، تتحول فيها الذات الفاعلة إلى موضوع ويتحول الموضوع بدوره إلى ذات واعية. إن موضعة الغير هي الطريقة الوحيدة لإثبات الذات وتميزها وتفردها. ولكن كل محاولة لإثبات الذات سرعان ما تبوء بالفشل، لأن كل طرف يلغي ذاتية الطرف الذي يريد أن يعترف له بخصوصيته الذاتية. وهكذا يكون كل طرف في حاجة إلى الطرف الآخر لإثبات ذاته وتميزه وتفرده ويلغيه في نفس الوقت كذات. وهذا التناقض هو ما يجعل العلاقات البيذاتية علاقات مضطربة وغير مستقرة.
يبدو في ضوء هذا التحليل أن البنية البيذاتية تنطوي على تناقض جوهري يتسبب في نشوب صراع مستمر بين الأنا والغير. إن نمط الوعي بالآخر كموضوع يلغي بالضرورة نمط الوعي بالآخر كذات، والعكس بالعكس؛ ولذلك كان من المستحيل، في نظر سارتر، أن يقبل كل طرف من الأطراف المتفاعلة الاعتراف بواقع الطرف الآخر. ولدعم هذا النموذج النظري إمبريقيا خصص سارتر فصلا كاملا من مؤلفه "الوجود والعدم" تحت عنوان "العلاقات الملموسة مع الآخرين". لتحليل ظواهر الحب والكراهية والسادية والمازوشية وما إلى ذلك. ومن النتائج الأساسية التي توصل إليها أن عدم الاستقرار في العلاقات بين الأنا والغير إنما يعبر عن سوء النية الذي يخيم بشكل طبيعي على العلاقات البيذاتية. تعكس هذه النتيجة بوضوح صدى فلسفة هوبز.  
par Ahmed AGHBAL publié dans : دروس
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mercredi 2 janvier 2008

ٍ

التحليل الفينومينولوجي لظواهر الوعي والأنا والغير
في فلسفة سارتر
أحمد أغبال
 
كيف يتحدد مفهوم الوعي ومفهوم الأنا في فلسفة سارتر؟ وما نوع العلاقة بينهما؟ وكيف تتحدد العلاقة بين الأنا والغير في إطار هذه الفلسفة؟ سوف نتطرق في لحظة أولى إلى هذه القضايا في ضوء نظرية الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر المبسوطة في كتابه الموسوم بـ"تعالي الأنا" (*)ثم نقوم في لحظة ثانية برصد تطور مواقفه من مسألة الغيرية في أعماله المتأخرة التي تناول فيها قضايا الخيال والصور الفنية.
1. مفهوم الأنا المتعالي في فلسفة سارتر  
يعتبر كتاب "تعالي الأنا" محاولة لوصف وتحليل ظواهر الوعي والوقائع الجوانية من وجهة نظر فينومينولوجية. ويهدف إلى بيان ما إذا كان الأنا ظاهرة من ظواهر الوعي ذاته كما هو الحال بالنسبة لكل من ديكارت وكانط وهوسرل، أم أنه موضوع من موضوعات العالم كالأشجار والكراسي وما إلى ذلك. وأما أطروحته الأساسية في هذا المجال فتتمثل في جوابه عن السؤال: "من أنا ؟" أو بعبارة أخرى: ما هي طبيعة أناي؟ وقبل أن يقدم أطروحته التي تمثل جوابه على هذا السؤال استهل كتابه بنقد تصورات بعض الفلاسفة من أمثال هوسرل وكانط وديكارت للأنا. نقرأ في مقدمة الكتاب:
"إن الأنا بالنسبة لمعظم الفلاسفة "كائن يسكن" الوعي. ويدعي بعضهم أن له حضور شكلي في صميم تجربة الحياة كمبدأ فارغ للتوحيد [= يؤدي وظيفة التوحيد أو التركيب]. ويدعي آخرون – وهم في الغالب الأعم من علماء النفس – أنهم اكتشفوا حضوره المادي في كل لحظة من لحظات حياتنا النفسية بوصفه مركز الرغبات والأفعال. ونود أن نبين هنا أن الأنا لا يوجد في الوعي لا شكلا ولا مضمونا، بل في الخارج، في العالم؛ إنه كائن من كائنات العالم، تماما مثل ما هو الحال بالنسبة لأنا الغير"
تلخص هذه الفقرة مآخذ سارتر على الفلاسفة والمفكرين الذين يقولون بأن الأنا المتعالية هي المبدأ الشكلي الضروري لنشاط الوعي، وهي الأطروحة التي تبناها كل من كانط وهوسرل، كما أنه رفض الأطروحة التي تقول بأن الأنا المتعالي توجد على مستوى نشاط الوعي والتفكير، في أحضان الذات المفكرة، وهي الأطروحة التي نجدها عند كل من ديكارت وهوسرل. وبعد أن عبر عن موقفه الرافض لهاتين الأطروحتين قدم بديلا عنها، وهو أطروحته التي تقول: إن الأنا بطبيعته وتكوينه متعالي عن الوعي. وقبل أن نستعرض تفاصيل هده الأطروحة ومبرراتها وما يترتب عنها، دعونا نستعرض أهم مآخذ سارتر على الأطروحات السابقة.
يقول هوسرل: إن الوعي هو دائما وعي بشيء ما، فهو يتجه دائما نحو موضوع ما ويكشف عنه، مثله في ذلك مثل شعاع الضوء، يسقط على الأجسام فتتجلى للناظر إليها. توحي هذه الفكرة، إذا نظرنا إليها من وجهة نظر سارتر، بأن وراء كل وعي "بنية وعي ضرورية" تنير بأشعتها الظواهر الموجودة في الحقل الذي يتجه إليه الانتباه (=القصدية). وهكذا تكتسي بنية الوعي الضرورية أو الأنا المتعالية طابعا خاصا وتصبح شخصية بالكامل. ومن هنا كان تساؤل سارت: هل كان من الضروري أن يلجأ هوسرل إلى هذا المفهوم؟ وهل ينسجم مع تعريفه للوعي؟ وكان جوابه طبعا بالسلب. وإنما اعترض سارتر على تصور هوسرل للأنا المتعالية بدعوى أن إدراج "بنية الوعي الضرورية" في العالم المتعالي سيؤدي إلى فساده من خلال حدوث شرخ في الوعي وانقسامه على نفسه؛ وسيؤدي الأنا المتعالي بذلك في اعتقاده إلى موت الوعي. وإنما أراد سارتر بنقده لهذه الأطروحة أن يفرغ الوعي من أي محتوى ليجعله شفافا ولاشخصيا.
وأما القول بأن الأنا المتعالية هي الشرط الشكلي الضروري لقيام الوحدة وبناء التركيبات، فهو قول مردود في نظر سارتر: إن الأنا المتعالية ليست الشرط الضروري الذي يضمن وحدة الوعي وتفرده، بل، وعلى العكس من ذلك، فإن وحدة الوعي هي التي تقف خلف تشكل الأنا. فالأنا الذي نصادفه على مستوى الوعي إنما يعبر عن الوحدة التركيبية لتمثلاتنا، تلك التركيبة التي تنصهر فيها وتتوحد مختلف أبعاد الوعي ومكوناته على نحو مخصوص، وهذا ما يجعل من الممكن التمييز بين "وعي" وآخر، بين حياة الوعي لدى زيد وحياة الوعي لدى عمر. فلابد أن يكون هناك خيط رابط يوحد بين مكونات الوعي لدى زيد ويمنح لوعيه خصوصية تميزه عن عمر.
حاول سارتر الدفاع عن أطروحته تلك في كتابه "تعالي الأنا" الذي يمثل بداية قطيعته مع هوسرل؛ ولكن الحلول التي اقترحها لمسألة العلاقة بين الوعي والأنا ومسألة الغيرية ظلت محدودة وغير مكتملة حسب تقديرات المحللين، ولعلها كانت مشاريع حلول أو حلول تجريبية، وربما كان سارتر على وعي تام بذلك قبل أن يتداول فيه المحللون؛ لاشك في أنه كان ينظر إليها على أنها حلول مؤقتة لإشكالات عويصة كما يوحي بذلك العنوان الفرعي للكتاب(*)؛ يفهم من هذا العنوان على أن الكتاب ليس أكثر من خطاطة عامة تمثل الخطوط العريضة لمشروع بعيد المدى يهدف، من بين ما يهدف إليه، إلى الكشف عن طبيعة الوعي، والمبدأ الذي تقوم عليه وحدته وتفرده، وعلاقته بالأنا وبالغير.
ففيما يتعلق بوحدة الوعي، يرى سارتر أن في كل لحظة من لحظات الوعي، أي عندما نكون أمام موضوع ما، فإنه من الضروري أن تتوحد عمليات الوعي في مواجهتنا لذلك الموضوع؛ فعندما يعض زيد تفاحة، فإن جميع عناصر الإدراك من خشخشة وطعم ورائحة وما إلى ذلك يكون لها حينئذ حضور في وعي واحد متفرد هو وعي زيد. فما الذي يمنح لوعي زيد وحدته ويجعل المدركات تنصهر فيه في إطار تركيبة متميزة ؟ لو طرحتا هذا السؤال على كانط لأجاب: إنه الأنا المتعالي؛ ويرى سارتر على العكس من ذلك بأن الوعي يستمد وحدته من الموضوع لا من الأنا المتعالي، وهو ما عبر عنه بقوله: "إن وحدة الوعي توجد على مستوى الموضوع". إن الوحدة التي يشير إليها سارتر هنا هي وحدة "المئات من أنواع الوعي النشيطة" التي ينصب اهتمامها على نفس الموضوع. وترتبط هذه الوحدة بالمستوى المتعالي من الموضوع الذي يتجه إليه الانتباه. والمقصود بتعالي الموضوع هنا امتداده إلى ما وراء التجربة الراهنة في اتجاه الماضي والمستقبل، حيث أصبحت مظاهره الآنية تتوحد بمظاهره في الزمن الماضي والمستقبل. إن الموضوع الذي يتجاوز لحظته بمظاهره العابرة للأزمان هو موضوع متعالي أو ذو وحدة متعالية؛ وبناء على ذلك يمكن القول بأن وحدة الوعي ليست شيئا آخر غير الوعي بتلك الوحدة المتعالية، إنها الوعي الخالص، ذلك الوعي الذي تم تطهيره من شوائب الأنا أو بنيته ليصبح مجرد علاقة فارغة بالوحدة المتعالية لموضوعه. ولكن، ما الذي يضمن استمرار وحدة الوعي عبر الزمن ؟
للإجابة على هذا السؤال لجأ سارتر إلى مفهوم الوعي الزمني conscience temporelle الذي استعاره عن هوسرل والذي يدل على أبعاد الوعي الثلاث في علاقته بالزمن، وهي:
القصد intention ويعني في نفس الوقت الاتجاه المفرغ/المحايد نحو موضوع ما (موضوع القصد objetintentionnel) والفعل الذي يضفي المعاني والدلالات على ذلك الموضوع؛
التوجه القصدي نحو المستقبل protentionوهو نوع من التوقع المرتبط باللحظة الراهنة ارتباطا جوهريا ويستبق الأحداث قبل وقوعها. فعندما تسمع نوطة موسيقية، فإنها لا تصبح جزءا من معزوفة في وعيك إلا إذا تلتها نوطات أخرى، وكنت تتوقع سماعها على نحو ما. فالتوقع هو جزء من إدراك النوطة بوصفها جزء لا يتجزأ من المعزوفة.
التذكر rétention، وهو استحضار وقائع الماضي الفوري في الوعي، فكما أن النوطة لا تعتبر جزءا من معزوفة إلا بتوفر شرط القدرة على توقع ما يليها، كذلك لا بمكن إدراكها بوصفها جزءا من المعزوفة إلا إذا توفرت القدرة على استحضار النوطات التي سبقتها على الفور. وفي حال عدم توفر هذا الشرط فسيكون من المستحيل إدراك ما يجري في الزمن.
وهكذا، وبالعودة إلى مفهوم الوعي الزمني أو القصدية ذات الأبعاد الزمنية الثلاث يكون سارتر قد وجد لأطروحته حول وحدة الوعي دعامة قوية. يقوم هذا الدليل على مصادرة أساسية مفادها أن الزمن الداخلي يتألف في الواقع من عدة لحظات مبثوثة فيه بشكل ضمني. والمقصود بذلك أن كل وعي ينطوي في ذاته على الوعي بالماضي الفوري في علاقته بالوعي بما يجري في اللحظة الراهنة وامتداداته نحو المستقبل. وهكذا تتحقق وحدة الوعي دونما حاجة إلى وجود الأنا المتعالي الذي يعتبره هوسرل وكانط الشرط الضروري لقيام تلك الوحدة.


(*) La Transcendence de l'Ego - Esquisse d'une description phénoménologique, Paris, Librairie Philosophique J.
     Vrin, 1992
par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander

Publicité

Créer un blog sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur avec TF1 Network - Signaler un abus