Vendredi 25 janvier 2008

2- البياجيون الجدد
لقد كان لعلم النفس ألمعلوماتي تأثيرعميق في حركة البياجيين الجدد. ولبيان ذلك سنحاول فيما يلي التعريف بأفكار اثنين من كبار ممثلي هذه الحركة، وهما روبي كيس Robbie Case، وكورت فيشر Kurt Fischer.وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدارسين قاموا بجمع ومناقشة أعمال العديد من الباحثين الذين ينتمون إلى هذا التيار الفكري في مؤلفات باتت مشهورة(Kessen, 1984 ; Demetriou. 1988).
2-1- نموذج روبي كيس
أعلن روبي كيس Case بعبارة صريحة انتماءه إلى حركة البياجيين الجدد، وذلك حين قال إن أحسن وصف يمكن أن يوصف به موقفه من مسألة النمو كما طرحها بياجي هو أنه موقف « بياجي جديد»Piagetian-Neo. وبرر ذلك بقوله(Case, 1984 , p. 20):
 » إنني أعتقد مثل بياجي أن أحسن وصف يمكن أن توصف به آليات التفكير لدى الأطفال في مختلف المراحل النمائية هو أنها سلسلة من البنيات الذهنية تكون فيها كل بنية أكثر تطورا من سابقاتها. وكذلك أعتقد مثل بياجي أن شكل هذه البنيات ودرجة تعقيدها في أية مرحلة من مراحل العمر تظل ثابتة مهما تنوعت مضامين الحقول المعرفية (شريطة أن تتوفر للأطفال الظروف المناسبة للتعلم). ومع ذلك فإنني أعتقد، على خلاف ما ذهب إليه بياجي، أن البنيات الذهنية للأطفال يمكن التفكير فيها أحسن بواسطة المفاهيم التي تبلورت في حقل معالجة المعلومات والذكاء الاصطناعي كبديل للمفاهيم التي تبلورت في حقل المنطق الرمزي. ولابد أن يؤدي الاختلاف في طريقة وضع المفاهيم التي تصف البنيات الذهنية للأطفال إلى الاختلاف في طريقة بناء المفاهيم التي تصف عملية الانتقال من مرحلة نمائية إلى أخرى «        
وتعتبر نقط الاتفاق والاختلاف هذه هي السمات المشتركة المميزة للمفكرين البياجيين الجدد، إن ما يجمع بين هؤلاء الباحثين هو سعيهم إلى تصحيح نظرية بياجي في ضوء الإنجازات التي تحققت في ميدان علم النفس المعلوماتي، وإثرائها بالمفاهيم التي تبلورت في هذا المجال.
أخذ كيس Case بعض المفاهيم الأساسية التي تبلورت في حقل علم النفس المعلوماتي ووظفها لتأسيس نظرية تقترح تفسيرا جديدا للنمو كبديل للتفسير الذي قدمه بياجي. تركز هذه النظرية على مصادرة مفادها أن النمو المعرفي يتحقق على مستوى الاستراتيجيات أو ما يسميه «بنية التحكم في الأداء»executive control structure. هذا هو المفهوم المركزي في نظريته، وعرفه بأنه«خطة ذهنية لحل صنف من أصناف المشكلات»(Case, 1984 , p. 21). تنمو هذه البنية مع مرور الزمن، ويدل مفهوم النمو هنا على ازدياد درجة تعقيد البنية. فكلما ازدادت درجة تعقيدها انتقل الفرد إلى مرحلة جديدة من مراحل النمو. لا يحصل الانتقال، إذا نظرنا إليه في ضوء هذه النظرية، من خلال تجاوز بنية المرحلة السابقة، ولكن من خلال دمجها في البنية الجديدة وفقا لمبدأ التراتب. وهكذا، فإن المبدأ المتحكم في النمو المعرفي حسب نظرية كيس هو مبدأ الاندماج المتراتب لبنيات التحكم في الأداء hierarchical integration.كيف يتحقق ذلك في الواقع ؟
يرى روبي كيس أن جميع بنيات التحكم في الأداء تقوم على أساس تصور معين لظروف المشكلة التي تواجه الفرد.فعندما يجد الفرد نفسه أمام مشكلة ما، ثم يفكر في وضع الخطة المناسبة لحلها، فإن ما يحدد الخطة التي يضعها هو تصوره للظروف المناسبة لتطبيقها من جهة،وتصورهللوضعية المرغوب فيها التي تستهدفها الخطة من جهة أخرى. ويشترط أن يكون للفرد بالإضافة إلى ذلك تصور واضح عن الاستراتيجية التي ستوجه نشاطه عبر سلسلة من الإجراءات نحو تحقيق أهدافه. يمكن القول بعبارة أخرى إن ما يحدد بنيات التحكم في الأداء هي تصورات الفرد للوضعية التي تواجهه،  وللوضعيةالتي يرغب فيها، وللإجراءات التي تنقله من الوضعية الأولى إلى الوضعية الثانية. هذه هي الخصائص المشتركة بين جميع نظم التحكم في الأداء. وعلى الرغم من أن لهذه النظم بنية شكلية متماثلة فإنها لا تمكن الفرد من معالجة جميع أنواع المهام وحل جميع المشكلات. والدليل على ذلك هو أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربع وخمس سنوات يمرون بنفس المراحل عندما يعالجون مشكلة حسابيةيتطلب حلها توفر القدرة على التعامل مع الأعداد أو مشكلة يحتاج حلها إلى توفر القدرة على التعامل مع الأوزان، أو مشكلة تستلزم توفر القدرة علىتمييز نوع آخر من الكميات. ولكن هؤلاء الأطفال يجدون صعوبة في حل مشكلة مركبة تجمع بين بعدين مختلفين كالعددوالوزن، وذلك على الرغم من أن بنية التحكم في أداء المهمة المتعلقة بمعالجة الأعداد لا تختلف من حيث بنيتها الشكلية عن بنية التحكم في أداء المهمة المتعلقة بمعالجة الأوزان.
ويحصل الانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل النمو في حوالي السنة السادسة من العمر عندما يصبح الطفل قادرا على حل المشكلة المركبة من خلال دمج بنية التحكم في معالجة البعد المتعلق بالعدد ببنية التحكم في البعد المتعلق بالوزن على نحو متراتب، حيث يستعمل الهدف المتعلق ببنية التحكم في العدد من أجل حل مشكلة الوزن. هذا مع العلم أن الطفل البالغ من العمر أربع سنوات يمتلك القدرة على استخدام البنيتين معا، ولكنه يستخدم كل واحدة منهما على حدة لحل مشكلة بسيطة، ولا يستطيعالجمع بينهما لحل مشكلة معقدة. يتفق كيس Case مع بياجي وغيره من الباحثين في مجال علم النفس النمائي على أن الانتقال من المرحلة التي تنطلق من السنة الرابعة إلى المرحلة التي تنطلق من السنة السادسة من العمر يمثل التحول الرئيسي في البنية المعرفية بالمقارنة مع تحولات المراحل اللاحقة. ففي حوالي السنة السادسة من العمر تظهر الوظيفة المنطقية لدى الطفل حسبنظرية بياجي، وفي هذه اللحظة نفسها يظهر التفكير البعدي dimentional thought حسبنظرية كيس. وأما نمط التفكير الذي يميز المرحلة التي تمتد من السنة الرابعة إلى السنة الخامسة من العمر فيصفه كيس بأنه تفكير علائقي relational thought. ويحصل الانتقال إلى نمط التفكير البعدي عندما يصبح الطفل قادرا على التنسيق بين بنيات التحكم في الأداء المتوفرة لديه، وتنظيمها بشكل متراتب من أجل الإحاطة بمختلف أبعاد المشكلة.
وتحدث تحولات أخرى في الثامنة والعاشرة من العمر. ولكن هذه التحولات لا تضيف شيئا جديدا إلى البنية المتراتبة التي تشكلت في السنة السادسة، ولا تؤدي إلى ظهور نمط جديد من التفكير. يقول كيس بهذا الصدد:«إن التغير الذي يلحق طريقة اشتغال بنية التحكم في الأداء بعد سن السادسة ليس تغيرا نوعيا كبيرا،إن ما يحدث بعد هذه السن هو عبارة عن سلسلة من التغيرات النوعية الطفيفة. وتعتبر هذه التغيرات في الواقع امتدادا للتغير الذي حصل بين السنة الرابعة والسنة السادسة من العمر، والذي يتعاظم ويتسع مداه تدريجيا »(Case, 1984. p. 26). هكذا يتحقق النمو في جميع مراحل العمر. حيث يتم دمج البنيات السابقة بعضها ببعض بطريقة متراتبة، ويتولد عن ذلك نمط جديد من التفكير. ثم تتبلور البنية الجديدة بشكل تصاعدي عبر سلسلة من المراحل، ويتسع مداها أكثر في كل مرحلة جديدة، وتزداد قدرة الفرد على الإحاطة أكثر فأكثر بمختلف جوانب المشكلات التي تواجهه، ويأخذ بعين الاعتبار في كل مرة عددا أكبر من المتغيرات إلى أن تحصل قفزة نوعية أخرى في سلم النمو المعرفي. هذا هو المبدأ العام الذي يتحكم في عملية النمو.(Case, 1985 , 1992)
تمتد المرحلة الحسية-الحركية في نموذج كيس من صرخة الميلاد إلى الشهر الثامن عشر، تليها مرحلة التفكير العلائقي وتمتد إلى السنة الخامسة. وابتداء من السنة السادسة يظهر نمط التفكير البعدي ويستمر في النمو إلى أن يبلغ ذروته في السنة الحادية عشرة، حيث تبدأ مرحلة التفكير الشكلي أو المجردوالتي يستغرق نموها سنوات عديدة(Case, 1985). وفي كل مرحلة جديدة تزداد درجة تعقد بنية التحكم في الأداء، وتحصل الطفرة عندما يصبح الطفل قادرا على دمج البنيات المكتسبة بعضها  ببعض على نحومتراتب. ولكن، كيف يتسنى له ذلك ؟ ما هي العمليات التي تقف خلف القدرة على دمج البنيات ؟
يميز كيس بين نوعين من العمليات:» العمليات أو القدرات التي يأتي الكائن الإنساني وهو مجهز بها منذ الولادة«، »والقدرات التي لا يأتي الكائن الإنساني وهو مجهز بها منذ الولادة « (Case. 1984 . p. 27). ويرى أن النوع الأول من القدرات يظل ثابتا على الدوام يلعب دور اللامتغير الوظيفي functional invariant الذي تحدث عنه بياجي والذي تمثله عمليات الاستيعاب والتوافق والموازنة في نظريته. ويعتبر اللامتغيرالوظيفي العامل الأساسي الذي يتحكم في عملية  دمج البنيات، ويشمل،حسب كيس، القدرات التالية :
§         القدرة على وضع الأهداف؛
§         القدرة على استخدام الخطاطات schemes أو الخطط الذهنية المتوفرة وفقا لتسلسل جديد من أجل تحقيق الأهداف المرسومة؛
§         القدرة على تقييم نتائج الخطة في تسلسلها الجديد في ضوء الوضعية الراهنة والأهداف المسطرة؛
§         القدرة على هيكلة وتعميم الخطة الناجعة على التجارب المستقبلية وبشكل مقصود؛
§         القدرة على تذكر هذه البنيات (الخطط) التي تم صقلها بواسطة الممارسة المتكررة في المستقبل، ودعمها وهيكلتها باستمرار إلى أن تصبح جزءا من البنيات المتحكمة في الأداء.
par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Jeudi 24 janvier 2008

تذكرنا هذه القدرات الفطرية،» التي يأتي الكائن الإنساني وهو مجهز بها منذ الولادة«بما قاله لوريا Luria وداس Das وكيربي Kirby عن التخطيط باعتباره وظيفة من وظائف الدماغ. ولكن كيس أضاف إليها قدرات أخرى تتميز بكونها عامة وفطرية إلى حد ما وهي:القدرة على حل المشكلات، والاستكشاف exploration، والتقليد imitationوالتفاعل المتبادل mutual regulation الذي يتجلى من خلال بعض السلوكات كالبسمة المتبادلة مثلا: تبتسم الأم لرضيعها فيبتسم لهابدوره. تظهر هذه القدرات في «سن مبكرة جدا»، خلال الشهر الأول أو الثاني بعد الولادة،ولكننالا نعرف على وجه الدقة ما إذا كانت فطرية أو مكتسبة، والحال أنه أدرجها في صنف العمليات التي يأتي الفرد مجهزا بها منذ الولادة. وبرى كيس أن هذه القدرات الأربع ضرورية لتشغيل العمليات السابقة الذكر وللتحكم فيها، وهي التي تؤدي إلى دمج البنيات المتوفرة لدى الطفل بشكل متراتب، وتدفعه إلى الارتقاء في سلم النمو من خلال إنتاج ببنيات جديدة أكثر تعقيدا وأكثر فعالية. يعتقد كيس أن عملية الدمج تتحقق بشكل تلقائي وبطريقة أوتوماتيكية، ولا يكون للراشدين أي دخل في ذلك. وهذا رأي لا يتفق معه العديد من الباحثين. وسوف نعود إلى مناقشة هذه المسألة في مناسبة لاحقة.
وفيما يتعلق بالقدرات التي لا يأتي الفرد وهو مجهزا بها منذ الولادة،فإن أكثرها أهمية في نظر كيس هي الذاكرة القريبة المدى أو النشيطة. يميز كيس في الذاكرة القريبة المدى بين الحيز الذي تشغله عملية معالجة المعلومات operating spaceوالحيز المخصص لمخزون الذاكرة القريبة Short Term Storage Space. وتجدر الإشارةهنا إلى أنكيس يستخدمكلمة»حيز« بالمعنى المجازي للدلالة على مدى قدرة الفرد على الانتباه، ويفترض وجود علاقة بين الحيز الذي يشغله مخزون الذاكرة القريبة المدى وبين عملية دمج البنيات، ومعنى ذلك أن نمو الذاكرة القريبة المدى يتيح للفرد إمكانية دمج البنيات بعضها ببعض والانتقال، بالتالي، من مرحلة إلى أخرى. ويطرح كيس، بالإضافة إلى ذلك، فرضية أخرى مفادها أن الطاقة الاستيعابية العامة للذاكرة النشيطة محدودة، ولا فرق في ذلك بين الطفل والراشد. لا توجد فروق، إذن، بين الراشدين والأطفال فيما يتعلق بمدى اتساع حيز الذاكرة القريبة المدى. ومع ذلكيفترض كيس وجود علاقة بينعامل السن ومدى اتساع الحيز الذي يشغله مخزون الذاكرة القريبة المدى. وهكذا، فكلما تقدم الفرد في السن إلا واتسع الحيز المخصص لذلك المخزون في نظره.
وانطلاقا من هذه الفروض، التي أكدتها نتائج البحوث التجريبية والميدانية التي قام بها كيس ومجموعته، يمكنأن نستنبط كل الوقائع والاحتمالات الممكنة. يمكن أن نفهم مثلا لماذا لا يستطيع طفل في الرابعة أو الخامسة من العمر توظيف المعارف المكتسبة لحل المشكلاتالحسابيةوالمشكلاتالمتعلقة بالوزن لمعالجة مهمة مركبة تشمل البعدين معا (العدد والوزن). ذلك لأن معالجة المهام المركبة يتطلب القيام بعمليتين مختلفتين في آن واحد، حيث يتعين على الطفل أن يحتفظ في ذاكرته بأهداف الخطة المتصلة ببنية التحكم في أداء المهمة المتعلقة بالوزن، وأن يقوم في نفس الوقت بتنفيذ خطته لحل المشكلة الحسابية كخطوة ضرورية، وأن يحتفظ بنتائجها لتنفيذ الخطةالمتعلقة بحل مشكلة الوزن. ولكن ذاكرته النشيطة لا تتحمل هذا العبء كله،ذلك لأن انتباهه ينصبعلى عملية معالجة المعلومات فيتسع الحيز الذي تحتله هذه العملية على حساب حيز المخزون. ولا يكون باستطاعته أن يدمج البنيتينمع بعضهما إلا بعد أن يتمكن من تقليص الحيز الذي تحتله عملية معالجة المعلومات، ثم يخصص الحيز المحررللمخزون. وهكذا، فإن نمو الذاكرة القريبة المدى لا يعني الزيادة في حيزها العام، بل يدل فقطعلىاتساع الحيز المخصص للمخزون على حساب الحيز الذي تشغله عملية معالجة المعلومات. وعندما يتسع حيز المخزون لاحتواء بنيتين مندمجتين تحصل الطفرة في النمو (Case. 1984). ولكن، ما هي العوامل التي تتيح الفرصة لاتساع حيز المخزون في الذاكرة القريبة المدى ؟
عندما تستحوذ عملية معالجة المعلومات على انتباه الفرد تضعف القدرة على الانتباه إلى ما يجب حفظه وتخزينه في الذاكرة. يحصل ذلك عندما يكون الفرد حديث عهد بالمهمة التي يتعين عليه إنجازها،مثله في ذلك مثل سائق سيارة مبتدئ، يركز انتباهه على عملية معينةولا ينتبه إلى ما يجري حوله من الأمور التي قد تشكل خطرا عليه، ويجد صعوبة في التحدث إلى من يرافقه، ويصاب بالإرهاق والإعياء بسرعة. ومع مرور الوقت يكتسب الخبرة والمهارة، ويتمكن من أداء العديد من العمليات بطريقة آلية في آن واحد، فيتحرر انتباهه ويتجه إلى أمور أخرى. وهذا ما يحدث للطفل، فمع كثرة الممارسة يكتسب القدرة على أداء العمليات المعرفية بمزيد من الكفاية والفعالية. وتؤدي القدرة على تحقيق تلك العمليات، أو ما يسميه كيسبالكفاية الإجرائية operational efficiency، إلى تحرير نسبة مهمة من الحيز الذي تشغله عملية معالجة المعلومات، ويصبح الحيز المحرر في متناول مخزون الذاكرة القريبة المدى.
ويرى كيسأنالممارسة وحدها غير كافية للارتقاء بالكفاية إلى المستوى الذي يحصل معه ذلك التحول،وافترض وجود عوامل أخرى ذات صلة وثيقة بمستوى النضج البيولوجي،يتعلق الأمر بتشكل ونمو غمد النخاعينmyelinization، وهو المادة التيتحيط بالألياف العصبية. ويعتبر تشكل غمد النخاعين مرحلة بالغة الأهمية في نمو الجهاز العصبي، ويأخذ نموه شكل موجات متتالية، تظهر كل موجة فيمرحلة من مراحل العمر. يساعد تنامي هذه المادة على ازدياد سرعة انتقال السيالة العصبية. يفترض كيس وجود علاقة بين نمو غمد النخاعين وازدياد القدرة على أداء العمليات المعرفية.وما يدل على ذلك في نظره هو وجود نوع من التطابق بين مراحل تشكل غمد النخاعين ومراحل النمو العقلي. وربما كان نمو هذه المادة العصبية هو المسئول عن بروز وتنامي القدرة على التفكير الشكلي المجرد لدى كل من المراهقين والراشدينعلى حد سواءCase. 1984b)).
يتفق روبي كيس مع رأي بياجي الذي يقول إن قدرات الأطفال محدودة. وإذا كان بياجي يعتقد أننزعة التمركز حول الذات هي العامل الأساسيالمسئولعن ضعف القدرة على معالجة المعلومات لدى الأطفال، فإن كيسيفسر هذه الظاهرة بعوامل لها علاقة بالإكراهات المرتبطة بالذاكرة القريبة المدىالتي لا تتسع لاستيعاب بنيات التحكم المندمجة التي تمكن من معالجة المهام المعقدة. يتعلق الأمر هنا بالنقص في الحيز المخصص لمخزون الذاكرة النشيطة. ومن آثار هذا العجز ضعف القدرة على التعلم في مراحلالنمو الأولى. وتقف العوامل المتصلة بنمو الجهاز العصبي خلف النقص الملاحظ في حيز الذاكرة القريبة المدى. تؤثر هذه العوامل في تنامي الذاكرة القريبة المدى وتحدد وتيرة نموها. يلتقي روبي كيس في هذه النقطة بالذات مع صاحب نظرية «الابستملوجيا البيولوجية»،. ويعتقد مثله أن النمو يسير في اتجاه خطي تصاعدي.. ومع ذلك يلحكيس على أهمية الدور الذي تلعبه التجربة والخبرة المكتسبة وعوامل المحيط في نمو الذاكرة القريبة المدى، إلا أنه يجعل تأثير هذه العوامل مشروطا بمستوى النضج. ويعتقد كذلكأن النمو يحصل بطريقة تلقائية، وهو ما يترتب عنه القول إن عملية التعلم لا تتحقق إلافي حالارتكازها على مبدأ التوجيه الذاتي، ولذلك يستبعد كيس أن يكون للراشدين أي دور في تنامي القدرة على التعلم. وربما جاء هذا الموقف كنتيجة منطقية للمغالاة في تقدير أهمية الدور الذي يلعبه عامل النضج. ومع انه أشار إلى أهمية الممارسة والمعارف المكتسبة والخبرة،إلا أنه غض الطرف عن الإكراهاتالمحتملة التي تخضع لها، كما أنه تحاشى الحديث عن الحدود التي ترسمها لها طبيعة التفاعل مع الغير. فقد يكون للدعموالتدخل الإرشادي الذي يتلقاه الطفل من الكبار دور مهم في تنظيم المعارف المكتسبة باعتباره الشرط الضروري لقيام الخبرة.
par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mercredi 23 janvier 2008

 

2-2- نموذج فيشر
لا يختلف النموذج الذي وضعه فيشر Fischer لتفسير نمو القدرات المعرفيةاختلافا كبيرا عن نموذج كيس.ولعل أهم ما يجمع بينهما هو الاتفاق حول المصادرة التي تقولإن ما يمكن للطفل أن يتعلمه في مرحلة معينة من مراحل العمر لا يتجاوز بعض الحدود. وأما الفرق الجوهري بينهما فيعود إلى اختلاف تصوراتهما للعوامل التي ترسم للقدرة على التعلم حدودها.فبينما يرى كيس أن الذاكرة القريبة المدى هي العامل الأساسي الذي يحدد ما يمكن للطفل أن يتعلمه، يعتقد فيشر أن درجة تعقد بنية المهارات، أو مستواها الأمثل optimal level، هي التي ترسم للتعلم لدى الطفل حدوده القصوى الممكنة..  
إن ما يميزنظرية فيشر هو عدم فصلها النمو عن التعلم. فقد كان بياجيوالبعض ممن ساروا على نهجه يفصلونعمليات النمو عن عمليات التعلم، ويركزون في بحوثهمعلى عملية النمو لاعتقادهم أن النمويسبق فعل التعلم ويوفر الشروط الضرورية لتحقيقه،وكأن التعلم لا يؤثر بدوره في عملية النمو. إن فصل النمو عن التعلم يدل على عدم اعترافهم بأهمية الدور الذي يلعبه العامل الاجتماعي في عملية النمو.
وكرد فعل ضد هذا التوجه اقترح فيشر ومجموعته نظرية أطلقوا عليها اسم «نظرية المهارات»skill theory، وهي نظرية تجمع بين النمو والتعلم.عبر فيشر Fischer وزميله بيب Pipp عن رأيهما في هذه المسالة بقولهما: «إننا نؤكد في عرضنا لنظريتنا على أن التعلم لا يتعارض مع النمو، كما أنعوامل المحيط لا تتعارض فيها مع العوامل المتصلة بالوحدة العضوية [ للفرد]. إننا لا نضع التعلم في مقابل النمو, ولكننا نتعامل معهما على أنهما مترابطان بصورة لا انفصام فيها»(Fischer and Pipp. 1984 , p.46). إن تنامي العمليات المعرفية في نظر هؤلاء الباحثين هو نتاج التفاعل بين عوامل المحيط والعواملالذاتية. ويرتكز تفسيرهم للنمو على مفهومين أساسيينتمت صياغتهما في ضوءأطروحة التفاعل بين الفرد والمحيط،، وهما: مفهوم المستوى الأمثل optimal level ومفهوم اكتساب المهارات skill acquisition.
2-2-1- نمو المهارات
يدل مفهوم المستوى الأمثل على الدرجة القصوى التي يمكن أن يصل إليهامستوى تعقد المهارات التي يمكن التحكم فيها،ولا يمكن بلوغ المستوى الأمثل إذا كانت ظروف المحيط لا تساعد الفرد على استثمار طاقاته إلى أقصى حد ممكن. وأما عملية اكتساب المهارات فتشير إلى القواعد التي تستخدم لتحويل مهارة معينة لجعلها أكثر تعقيدا وفعالية من خلال ربطها بمهارات أخرى.تأخذ المهارات، من وجهة النظر هذه، شكل بنية دينامية متحولة، تتحرك فتتحرك معها عجلة النمو والتعلم.
وأما المبادئ التي تتحكم في دينامية بنية المهارات فهي:التعويضsubstitution، والتركيزfocalisation، والتأليف compounding، والتمييز differentiation، والتناسق المتبادل intercoordination. ويعتبرفيشر وزملاؤهمبدأ التناسق المتبادل هو المسئول الأول عن نقل بنية المهارات من مستوى معين إلى مستوى أكثر تعقيدا. إن هذا المبدأ هو الذي يحدد كيفية التأليف بين المهارات المكتسبة للحصول على بنية جديدة أكثر تعقيدا وفعالية. وتدلنا المبادئ الأخرى، في نظرهم، على المراحل الفرعية التي تمر بها بنية المهاراتخلال كل مرحلة من المراحل النمائية الكبرى. تقوم هذه المبادئ مقام اللامتغير الوظيفي functional invariant في نظريتهم Fischer and Pipp. 1984 , p.46)).
تتحكم المبادئ الخمس السابقة الذكر في عملية اكتساب المهارات وتحويلها، وتحدد مسار نموهاوالمراحل الكبرى والصغرى التي تمر بها. وتجدر الإشارة إلى أن الأفراد الذين ينتمون إلى نفس الفئة العمرية لا يتوفرون بالضرورة على نفس المهارات،ولذلك يتحركون خلال سيرورتهم النمائية في اتجاهات مختلفة. ومعنى ذلك أن النمو لا يسير دائما في اتجاه خطي تصاعدي كما يعتقد بياجي. وما يدل على ذلك، في نظر فيشر، هو كيفية تعاقب مراحل النمو الفرعية التي تتخلل المراحل النمائية الكبرى المطابقةلمراحل العمر. فقد لاحظ فيشر وجود فروق جوهرية في كيفية تفاعل الأفراد الذين ينتمون إلى نفس الفئة العمرية مع موضوع معين، وتبين له أن طريقة معالجة المعلومات تختلففي تفاصيلها من فرد إلى آخرفي سياق كل مرحلة من المراحل النمائية الفرعية. ويعتبر هذا الاختلاف من أهم مظاهر الفروق الفردية.يفسر فيشر الفروق بين الأفراد في النمو والتعلم بمجموعة منالمتغيرات الشخصية ومتغيراتالمحيط الاجتماعي. ويؤدي التفاعل بين هذه المتغيرات إلى تشعب مسالك عملية النمو، وتسير في اتجاهات مختلفة.ومن هذا المنطلق عرف فيشر وزميله كندي النمو  بأنه:(Fischer and Kennedy, 1997, p 118)  :
» كل نوع من أنواع التغير المنتظم، ولا يشمل فقط التصاعد أو التراجع في اتجاه خطي، بل يشمل أيضا الأنماط المعقدة كالتذبذب بين نقطتين أو الارتقاء الذي يظهر عبر سلسلة من القفزات والكبوات «
ولعل ما يدعم هذه الفكرة هو التنوع الملاحظ في سلوك الأفراد الذين يعالجون نفس الموضوع، والاختلاف الكبير في الأفكار التي يشكلونها عنه. يرى فيشر أن المفاهيم العامة، كمفهوم القدرة أو الكفاية، لا تعكس ذلك التنوع. إن مفهوم القدرة لا يسمح بالتمييز في الأداء بين عدة مستويات بشكل دقيق، ويرجع السبب في ذلك إلى صعوبة التمييز في القدرة ذاتها بين مستويات عديدة ومتنوعة. وعلى العكس من ذلكيمكن التمييز في المهارة بين عدة مستويات، ومن ثمة يمكن إقامة علاقة بين مستويات الأداء ومستويات المهارة، بحيث يمكن القول إن مستوى الأداء يتحدد بالمستوى الذي يقف عنده الفرد في استخدامه للمهارة التي يوظفها لمعالجة مهمة معينة.
وبالإضافة إلى ذلك فإنه غالبا ما تكون المفاهيم العامةالمستخدمة لوصف السيرورة النمائية مضللة بسبب اختزالها الشديد للواقع وإغفالها للتفاصيل. لذلك يبدو النمو وكأنه يسير في اتجاه خطي تصاعدي عندما يصفه الباحثون في ضوء المفاهيم العامة، وعندما تؤخذ التفاصيل بعين الاعتبار يبدو مساره متعرجا ومتشعبا. يمكن القول بعبارة أخرى إنه عندما يجري التحليل على مستوى المقولات العامة يبدو النمو كما لو كان يسير في اتجاه خطي تصاعدي، وعندما يجرى التحليل على مستوى السلوك الفعلي بأبعاده المتعددة والمتنوعة يبدو مساره متشعباوغير خطي. يستعمل فيشر صيغة بلاغية خاصة عندما يتعرض لوصف النمو المتشعب المسالك كبديل عن الصيغة التقليدية التي تشبهه بالسلم، حيث شبهه بنسيج الشبكة وأغصان الشجرة للتأكيد على ديناميته المتذبذبة ومده وجزره في كل مرحلة من مراحل العمر. يدل هذا التشبيه على أن الفرد يمر خلال كل طور من أطوار النمو بعدة مراحل مختلفة ومتزامنة، تعكس كل مرحلة منها درجة تعقد المهارات المستخدمة لمعالجة المهام المرتبطة بحقلمعين من الحقول المعرفية التي يتمتع كل واحد منها بنوع من الاستقلال النسبي الذي لا يلغي التقاطع مع غيره من الحقول الأخرى. بإمكان كل مدرس أن يلاحظأن مستوى نمو المهارة التي يوظفها التلميذ لمعالجة القضايا المرتبطة بمادة دراسية معينة قد يختلف عن مستوى نموهافي مجالات دراسية أخرى،يبدو التلميذ وكأنه ينتقلمنمرحلة عمريةإلى أخرىعندما ينتقل من مادة دراسية إلى أخرى. يدل ذلك على أن وتيرة النمو تختلف باختلاف المجالات المعرفية، ويدل أيضا على أن طبيعة الموضوع تؤثر في بنية المهارات، كما يدل على أن المشكلة لا تكمن فقط في القدرة على نقل المهارة من حقل إلى آخر، ويدل أخيرا على أن «العقل ليس وحدة كلية، ولكنه يتكون من أجزاء مستقلة»Fischer and Kennedy. 1997. p. 123))، بحيثيمكن التأليف في كل وضعية متميزة بين بعض العناصر أو الأجزاء لتشكيل بنية جديدة من المهارات تكون على درجة معينة من التعقيد.
.يشبه فيشر وكندي مسالك النمو بشبكة نسجت من الحبال. يتكون كل حبل منها من مجموعة من الخيوط المجدولة. تمثل الخيوط فيها المهارات، وتمثل الجديلة بنيتها،وترتبط كل جديلة من جدائل الشبكة بمجال معين من مجالات النشاط المعرفي. تدل كل جديلة على مجموعة من المهارات التي تنمو كل واحدة منها عبر سلسلة من المراحل. وفي كل مرحلة جديدة من المراحل النمائية يعاد تركيب العناصر، وتدمج البنية السابقة في البنية الجديدة بطريقة متراتبة وفقا لما تنص عليه نظرية كيس Case تماما. وكذلك يمكن الحصول على بنية أكثر تعقيدا من خلال الجمع بين جديلتين مما يؤدي إلى ازدياد فعالية الفرد في معالجة المهام المتصلة بحقل معين من الحقول المعرفية. وعلى إثر ذلك تحصل الطفرة في النمو
وتحصل الطفرات أيضا في الحالات التي تكون فيها البنيات مستقلة عن بعضها البعض ومتفاوتة في درجةنموها بسبب انتمائها إلى مختلف المجالات المعرفية.ليس من المستبعد، إذن، أن يطرأ التحول في مختلف البنياتفي نفس الفترة الزمنية، وذلك على الرغم من التفاوت الموجود في درجة نمو مختلف المهارات التي تندرج في تكوينها. ولكن هذه الطفرات المتزامنة تأخذ أشكالا عديدة ومتنوعة كالتشعب، وتغيير الاتجاه، والاندماج.يدل التنوع في شكل الطفرات على التباين الموجود بين مختلف الحقول المعرفيةفي كيفية تنظيم المهارات، كما يدلعلى أن المهمة المعرفية تؤثر في المهارة وتحدد مستوى نموها.
par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Mardi 22 janvier 2008
تميز نظرية المهارات في السيرورة النمائية بين ثلاث مراحل كبرى أو ثلاثة أطوار: الحسي-الحركي، والتمثلي، والتجريدي. وفي كل طور من هذه الأطوار تمر المهارة خلال نموها بعدة مراحل،وتزداد درجة تعقدها كلما انتقلت من مرتبة إلى أخرى. وتشتمل الأطوار الثلاثة على عشر مراتب، وتمثل المرتبة الأخيرة في كل طور بداية الطور الموالي.
فخلال المرحلة الحسية-الحركية،التي تمثل الطور الأول في السيرورة النمائية، يكون الطفل في البداية قادرا على إدراك وفهم سلوك بسيط واحد، ثم إنه لا يلبث أن يكتسب القدرة على ربط هذا السلوك بسلوك آخر بسيط ليألف منهما وحدة سلوكية متميزة. وخلال المرحلة الثالثة من الطور الأول يكتسب القدرة على التأليف بين الوحدة السلوكية السابقة ووحدة سلوكية أخرى في إطار نسق متكامل من الوحدات السلوكية الحسية-الحركية. وفيالمرحلة الأخيرة من هذا الطور يصبح قادرا على التأليف بين مختلف الأنساق السلوكية الحسية-الحركية ليشكل نسق الأنساق الذي يدل على أنه استبطن مختلف أنواع السلوك الحسي-الحركي وحولها في ذهنه إلى تمثلات. فعندمايتمكن من إدراك العلاقة بين سلوك الطبيب وسلوك المريض، مثلا، يتمثل دور الطبيب. يحصل هذا الأمر في حوالي السنة الرابعة أو الخامسة من العمر.
ويلج الطفل طوره النمائي الثاني في حوالي السنة السادسة أو السابعة من العمر، عندما يكتسب القدرة على الجمع بين تمثلين. ويستمر في التأليفبين التمثلات على نحو تصاعدي، وتزداد درجة تعقد المهارات أكثر فأكثرإلى أن يتشكل نسقمتكامل من التمثلات. وفي المرحلة الأخيرة من الطور الثاني يؤلف بين أنساق التمثلات ليبني نسق الأنساق الذي يضاهي المفهوم المجرد.يحصل هذا التحول في حوالي السنة العاشرة أو الثانية عشرة من العمر.
وينطلق طور التجريد في حوالي السنة الرابعة عشرة أو السادسة عشرة من العمر عندما يكتسب الفرد القدرة على الربط بين المفاهيم في إطار نسق مجرد. ويبلغ التجريد درجة عالية في نهاية الطور الثالث عندما يتشكل نسق الأنساق المجردة الذي يدل على قدرة الفردعلى إدراك المبدأ المنظم للوقائع التي تختزلها المفاهيم. يحصل هذا التحول في حوالي الرابعة والعشرين أو السادسةوالعشرين من العمر(1983; (Fischer and Pipp. 1984 ; Fischer Hand and Russel.
يمكن القول بصفة عامة إنه كلما ازدادت درجة تعقد المهارات وبلغت حدها الأقصى في نهاية كل طور إلا وحصلت الطفرة التي تنقل الفرد من التمثل إلى المفهوم، ومن المفاهيم إلى المبدأالعام المنظم للمعلومات.وتجدر الإشارة إلى أن تحديد المراحل الزمنية قدتم في ضوء نتائج البحوث الميدانية التي أجريت على عينة من الأفراد الذين ينتمون إلى الشرائح الوسطى من المجتمع الأمريكي.
 والملاحظ أن مراحل النمو التي كشف عنها فيشر تشبه إلى حد كبير المراحل التي وصفها كيس Case. ولكن التشابه بينهما يقف عند هذا الحد. هناك في العمق اختلاف جوهري بينهما فيما يتعلق بتصوراتهما لآليات النمو. فبينما يرى كيس أن السيرورة النمائية تتوقف على تنامي الطاقة الاستيعابية للذاكرة القريبة المدى، يعتقد فيشر أن دينامية النمو تتحدد قبل كل شيء بالقدرة على تنظيم السلوكات والمهارات. وبينما يرى كيس أن المهارات تظل ثابتة بعد تشكلها، يؤكد فيشر على أن عملية تشكل المهارات هي عملية مستمرة لا تتوقف في أية مرحلة من المراحل النمائة إلى أن تصل إلى الحدود القصوىالتي يرسمهاالمستوى الأمثل في كل طور.
2-2-2- مستوى النمو الأمثل
يتبين في ضوء نموذج فيشر أن بنية المهارات تسير خلال مراحل نموها بوتائر متفاوتة في اتجاهات مختلفة. ولا يحصلالنمو في إطار هذا النموذج بطريقة تلقائية،على عكس ما يوحي به نموذج كيس،لأن بنية المهارات تخضع في سيرورتها النمائية لتأثير مجموعة من العوامل العاطفية-الوجدانية، وتتحدد بمدى قوة الحوافز ومقدار الدعم الذي يتلقاه الفرد من الوسط الذي يعيش فيه. تساعد هذه العوامل على الزيادةفي وتيرة النمو،وتحدد موقع الفرد فيما يسميه فيشر وزملاؤه بمدى النمو development rangeالذي يتراوح بين الحد الأدنى الذي يدل عليه مفهومالمستوى الفعلي functional level  والحد الأقصىالذي يدل عليه مفهوم المستوى الأمثل optimal level.
ومن هذا المنطلقعرف فيشر مدى النمو بأنه المسافة الفاصلةبين المستوى الفعليوالمستوى الأمثل لنمو المهارات في مجال معين من المجالات المعرفية خلال مرحلة معينة من مراحل العمر. ففي ظل الشروط المثلى بفصح سلوك الطفلعن الحد الأقصى الذي وصل إليه نمو قدراته العقلية ومهاراته. ويرتفع مستوى الأداء ليصل إلى حدوده القصوى الممكنة عندما يجد الطفل من يوجهه ويساعده على التعلم، ويدعم مبادراته وسعيه إلى تحقيق أهدافه،وعندما يكون قد اعتاد على العمل وأصبح قادرا على تنفيذ المهامبكيفية فعالة بسبب كثرة الممارسة وقوة الحوافز.
يدل مفهوم المستوى الأمثل على أقصى ما يمكن للطفل أن يحققه من إنجازات في ظل الشروط المثلى.ويدل مفهوم المستوى الفعلي على ما يمكنه إنجازه في غياب هذه الشروط، أي في الظروف العادية. يدل مفهوم المستوى الأمثل إذن على الحد الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه درجة تعقد المهارات في الظروف المساعدة؛ويدل مفهوم المستوى الفعلي على الحد الأقصى الذي يصل إليه نمو المهارات في الظروف العادية. ولابد من الإشارة في هذا السياق إلى أن مفهوم النمو الأمثل هو مفهوم مشتق من مفهوم «منطقة النمو القريب المدى»the zone of proximal development  الذي بلوره العالم السوفياتي فيكوتسكي قبل عدة عقود خلت(Vygotsky, 1978; Fischer Bullock. Rotenberg and Raya, 1993 )
يؤدي مفهوم المستوى الأمثل وظيفة أساسية في نظرية المهارات. يقوم هذا المفهوم مقام المؤشر الذي يدل على طبيعة النمو ومراحله في نظرية فيشر، ويستعمل باعتباره المعيار الذي يبين ما إذا كان الفرد قد انتقل بالفعل إلى مرحلة نمائية جديدةأم أنه لازال حبيس المرحلة التي يوجد فيها.وتكمن أهمية هذا المفهوم أيضا في أنه يأخذ بعين الاعتبار عوامل المحيط،ويبرز دورها في تحديد وتيرة النمو وفي حدوث الطفرات. فعندما يعتاد الفرد على العمل في الظروف المثلى يرتفع مستوى الأداء ليصل إلىحدوده القصوى، وترتفع وتيرة النمو تبعا لذلك، وتحصل الطفرةفي النمو بعد فترة قصيرة نسبيا، ويرتفع المستوى الأمثل لينتقل إلى الأفق الجديد الذي يتجه إليه بصره. وعندما يكون مستوى الأداء مطابقا للمستوى الفعلي أو غير بعيد عنه تتباطأ وتيرة النمو، ويحصل التغير بطريقة تدريجيةعلى امتداد فترة زمنية طويلة نسبيا. وخلال الفترة التي يتجدد فيها المستوى الأمثل تميل بنية المهارات إلى التغير بسرعة في الحقول المعرفية المألوفة. وعندما يتجدد المستوى الأمثل ويصبح قائما بالفعل تتباطأ وتيرة نمو المهارات في تلك الحقول المعرفية، ويكون ذلك بداية طور جديد، وهكذا دواليك.
ولا تتوقف السيرورة النمائيةأبدا، إذكثيرا ما يجد المرء نفسه أمام مهمة جديدة تتطلب معالجتها توظيف المهارات المكتسبة في بعض الميادين التي لم يعتد على التعامل معها بدرجة كافية