Mercredi 13 février 2008

 

مسالة الموضوعية في العلوم الإنسانية
أحمد أغبال
                           I.      مسألة الموضوعية من وجهة نظر ماكس فيبر
أشرنا فيما سبق إلى أن ماكس فيبر يؤمن بوجود واقع موضوعي قائم بذاته، ويعترف في نفس الوقت بأن الوقائع الاجتماعية هي وقائع ذاتية من حيث أن لها دلالات خاصة عند الفاعلين الاجتماعيين؛ ومن هنا تطرح مسالة الموضوعية على اعتبار أن الباحث نفسه متورط في الواقع الذي يجعل منه موضوعا لبحوثه، وله مواقفه وقيمه الخاصة وتوجهاته الأيديولوجية والسياسية. فكيف يمكن والحالة هذه أن يتعامل مع الموضوعات التي يعالجها بطريقة موضوعية؟ هل باستطاعته أن يقوم بدراستها بنوع من التجرد والحياد؟ وهل يمكنه أن يتخلى عن التزاماته الأخلاقية والقيمية عندما يتناول بالدراسة والتحليل الوقائع الاجتماعية؟ وبعبارة أخرى، إذا كانت الموضوعية شرطا ضروريا من شروط البحث العلمي، وكان الباحث جزءا من الواقع الذي يقوم بدراسته، فكيف يتسنى له تحقيق هذا الشرط؟ ماذا تعني الموضوعية بالنسبة لماكس فيبر؟
ينطلق ماكس فيبر في بلورة موقفه من مسألة الموضوعية في العلوم الإنسانية من التمييز بين أحكام الواقع والأحكام المعيارية، بين القضايا التي تصف الواقع والقضايا المعيارية التي تعبر عن التوجهات القيمية للفرد. ويرى ماكس فيبر أنه يجب على الباحث أن يكون على وعي بهذه القضايا وألا يخلط بعضها ببعض حتى لا تؤثر أحكامه القيمية في تصوره للوقائع. ولكن الباحث كائن اجتماعي ينتمي بالضرورة إلى مجتمع معين وطبقة اجتماعية وفئة مهنية معينة لها ثقافتها وقيمها ومعاييرها الخاصة؛ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن تحليل الوقائع بعيدا عن تأثيرات القيم والمعايير الشخصية أو الطبقية أو المهنية؟ وهل يدل التمييز بين أحكام الواقع والأحكام المعيارية على أن الوقائع شيء وأن القيم شيء آخر؟ وكيف تتحدد العلاقة بين القيم والموضوعية؟ أم أن مبدأ الموضوعية لا ينطبق إلا على الوقائع؟
وقبل أن نقدم جواب ماكس فيبر عن هذه الأسئلة يجدر بنا أن نتوقف قليلا عند مفهوم الوقائع الاجتماعية أو القضايا التي تنطوي على حكم الواقع لبيان مدلولها حسب التعريفات الشائعة في العلوم الإنسانية. ولعل أكثر التعريفات تداولا للقضية التي تنطوي على حكم الواقع هو أنها القضية التي تحدد واقعة أو مجموعة من الوقائع الاجتماعية وتنسب إليها خاصية أو مجموعة من الخصائص والعلاقات. وتعتبر القضية صحيحة إذا كانت الواقعة التي تشير إليها تتوفر بالفعل على الخصائص المعبر عنها وتحكمها العلاقات التي تشير إليها. يمكن صياغة هذه القضايا على النحو التالي: [تكون لـ"أ" الخاصية "خ" في الزمن "ز"]، كقولنا: بلغ عدد السواح الذين زاروا المغرب سبعة ملايين ونصف المليون سائح عام 2007، أو كقولنا: توجد فروق جوهرية في مواقف الرجال ومواقف النساء من مسألة الحرية في المغرب. وتكون هذه القضايا صحيحة إذا توفرت البيانات التي تدعمها والتي جمعت بطريقة موضوعية.
ولكن المسالة ليست بهذه البساطة، لأن جمع البيانات يتطلب توفر الباحث على خطة لجمع البيانات وجهاز مفاهيمي قابل للأجرأة. لنفترض أننا نريد دراسة وتتبع تطور مستوى العيش لدى الطبقة العاملة في بلد ما بين فترتين زمنيتين محددتين. تتمثل الصعوبة هنا في أن مفهوم مستوى العيش فضفاض، ويحتاج في تحديده وقياسه إلى معايير ومؤشرات قد يختلف الباحثون حولها، يحتاج الأمر ببساطة إلى اتخاذ قرارات ترتكز بالضرورة على تأويلات مختلفة لمفهوم مستوى العيش وعناصره الأساسية في ضوء التوجهات القيمية للأفراد؛ ولذلك كان لابد أن تختلف تقديراتهم لمستوى العيش عندما ينظر إليه كل واحد من زاوية نظره الخاصة.    
ومن هنا تطرح مسألة العلاقة بين الموضوعية والوقائع والقيم؛ استرعت هذه الإشكالية اهتمام ماكس فيبر واستقطبت انتباه العديد من الباحثين من بعده وعلى رأسهم Edward Bryan Portis(*). يرى هذا الباحث بأن ما يميز موقف ماكس فيبر من المسألة المطروحة هو إيمانه بثنائية القيم والواقع، على الرغم من أنه كان يفضل إضمار موقفه هذا. وأما دليل بريان بورتيز على أنه كان يتبنى فكرة ثنائية القيم والواقع فهو تصريحه وإيمانه بأنه لا سبيل للعلم لدحض الأحكام المعيارية ولا مساعدة الناس على الاختيار بين التوجهات أو المنظومات القيمية أو المعيارية؛ ومعنى ذلك أنه ليس هناك معيار علمي للتمييز بين القيم أو ترتيبها حسب الأفضلية وبطريقة موضوعية. إن البحث العلمي لا يمكنه أن يقيم الدليل الموضوعي على تفوق قيم على أخرى أو نظام ديني أو سياسي أو اجتماعي على نظام آخر، ولا يمكن إصدار حكم متحرر من القيم بهذا الخصوص؛ ومعنى ذلك أن كل حكم من هذا القبيل لا بد وأن يستند فيه المرء على قيمه الخاصة، سواء أكان ذلك عن وعي أو عن غير وعي.
ولما كان من غير الممكن التحرر من القيم والمعايير، فإنه يتعين على الباحث أن يكون على وعي بقيمه وتوجهاته المعيارية، وأن يصرح بها قبل أن يشرع في تحليل الوقائع أو المقارنة بين مختلف النظم الاجتماعية. هذا هو الشرط الأساسي لتحقيق الموضوعية في العلوم الإنسانية في نظر ماكس فيبر؛ ولذلك دأب على التصريح في بداية بحوثه بقيمه ومعاييره ومثله العليا داعيا القارئ إلى الانتباه إلى دوافعه ومفاهيمه المعيارية وأهدافه ومقاصده، حيث نجده يمجد الحرية الفردية، والديمقراطية، والروح القومية، ونوعية الحياة في النظم الاجتماعية، وهي كلها من العناصر التي تندرج ضمن منظومة القيم البرجوازية. ويرى ماكس فيبر أن ثقافة المجتمع تؤثر في نظرة الباحث إلى موضوعه، وهو ما يدل عليه قوله في شرحه لقواعد منهج التحليل في الاقتصاد السياسي:
"يرتبط [هذا المنهج] بدافع من الدوافع الخاصة للنوع البشري المتضمنة في الطبيعة الإنسانية. إن الاقتصاد السياسي للدولة الجرمانية وكذا المعيار القيمي المعتمد من طرف المنظرين الاقتصاديين الألمان لا يمكن أن يكونا شيئا آخر غير السياسة الألمانية والمعيار الألماني"(**).
ويرى ماكس فيبر أن القيم التي يتبناها الباحث، سواء أكانت قيما ثقافية أو قومية أو إنسانية ليست متضمنة في موضوع الدراسة، كما أنها لا تمثل خاصية ينفرد بها سياقه، ولذلك أمكن التمييز، في نظره، بين القيم والوقائع؛ وهذا يعني أن التوجهات القيمية للباحث ليست مستمدة من موضوع البحث ولا من نتائج الدراسات السابقة؛ "الحقيقة، يقول ماكس فيبر، هي أن المثل التي ندرجها في موضوع العلم إن لم تكن غريبة عنه فهي ليست نتيجة من نتائجه" إنها توجد خارجه، متعالية عليه. ولا عيب في أن ينظر الباحث إلى موضوع بحثه من زاوية نظر معينة، في ضوء القيم والمعايير والمثل التي يتبناها، بل العيب في أن يضمرها ولا يصرح بها. تقتضي الموضوعية في نظر ماكس فيبر أن يكون الباحث على وعي بهذه العناصر الذاتية وأن يصرح بها، ويعمل بالتالي جاهدا للحد من تأثيرها على تحليلاته.
لا ينكر ماكس فيبر، إذن، على الباحث أن يتحيز إلى منظومة قيمية معيارية دون غيرها، بل يطالب الباحثين بالتصريح بها منذ البداية والتحكم فيها بعد ذلك حتى لا تؤثر في نتائج التحليل التي ينبغي أن تكون موضوعية إلى حد كبير. وتقتضي الحكمة في نظره أن يتم التمييز بين الذاتية والتوجه القيمي، ذلك أن التوجه القيمي الواعي لا يعني الذاتية بالضرورة ما دام الباحث قادرا على التحكم فيه. وما يأخذه ماكس فيبر على الباحثين من ذوي التوجه الماركسي هو أنهم وإن كانوا يصرحون بتوجههم الأيديولوجي فإنهم لا يقيمون بينه وبين تحليلاتهم وتقييماتهم المسافة الضرورية بدعوى أن أيديولوجيتهم علمية أو أنها نتاج البحث العلمي. والحال أن أية منظومة فيمية أو معيارية، سواء كانت ليبرالية ديمقراطية، أو شيوعية اشتراكية أو دينية، لا يمكن إثبات صحتها بالوسائل العلمية، ولذلك لزم التحرر منها خلال عملية التحليل لاعتبارات منهجية علمية.
وإذا كان ماكس فيبر لا يمانع في أن يتبنى الباحث المذهب الأيديولوجي الذي يختاره بحرية وأن يدافع عنه، فلماذا يطالبه بعد ذلك بالتحرر منه خلال عمليات البحث والتقصي والتحليل؟ أليس في الأمر مفارقة؟ لو كان السؤال طرح على ماكس فيبر لأجاب بأن الانتماء المذهبي المعياري لا يعني الذاتية بالضرورة ولا يلغي الموضوعية إذا توفرت الشروط السابقة الذكر،. وعلى الرغم من اعتقاده بعدم وجود معيار علمي يمكن من اختيار القيم "الصحيحة"، فإن ذلك لا يمنع الباحث من الدفاع عن القيم التي اختارها بسبب أن "التوتر القائم بين منظومات القيم المتنافسة ضروري للحيلولة دون حدوث ركود ثقافي"(*). ومع ذلك، فإنه يجب الاعتراف بأنه من الصعب جدا العثور على أدلة موضوعية للدفاع عن قيم ذاتية طالما أنه لا يوجد أي معيار علمي موضوعي لترتيب القيم حسب درجة الأفضلية، وهو ما يعترف به ماكس فيبر نفسه. وإنما يأخذ الناس بهذه المنظومة القيمية أو تلك لاعتبارات ذات صلة بالإيمان وبالأمور الميتافيزيقية أو شيء من هذا القبيل. ولذلك لا يمكن إيجاد حل للتوتر القائم بين منظومات القيم على أساس عقلاني، لأنها تتجاوز العقل.
فهل يعني ذلك أنه من المستحيل تأسيس علم موضوعي لدراسة الظواهر الثقافية والاجتماعية؟ إن رأي ماكس فيبر بهذا الخصوص هو أنه لا يوجد علم موضوعي مستقل استقلالا تاما عن أي منظور قيمي مهما كان نوعه. ومع ذلك ظل يؤمن على خلاف نتشه بأن الموضوعية ممكنة في العلوم الإنسانية، لكنها لا تتحقق إلا بعد أن يعلن الباحث صراحة عن المنظور الذي ينطلق منه. فعندما يصرح الباحث بقيمه ودوافعه ومقاصده يمكنه بعد ذلك أن يعمل على تحقيقها بالوسائل العلمية الموضوعية، وهذا ما يمكنه من إيجاد حلول ناجعة للمشكلات الاجتماعية؛ ومعنى ذلك أنه يمكن تحقيق الغايات التي لا يسندها دليل عقلي منطقي ولا دليل علمي موضوعي بالوسائل العقلانية والعلمية. يبدو في الأمر تناقض، ولكن الإبستمولوجيا المعاصرة تقر بأن العلم ينطوي بالضرورة على عناصر غير عقلانية أو عشوائية لم يقم الدليل يوما على صحتها. فالعلم، حسب طوماس كوهن، بما في ذلك العلم الطبيعي، لا يعدو أن يكون مجرد نظرة إلى العالم، تتغير بتغير المصادرات والمنظور الإرشادي الذي تؤسسه.
وبسبب الغموض وعدم اليقين اللذان يكتنفان أسس العلوم، سواء تعلق الأمر بالعلوم الطبيعية أو العلوم الاجتماعية، كان من الضروري أن يلتزم الباحثون الصدق والأمانة والدقة في جمع البيانات وفي قول الحقيقة، وهو التزام أخلاقي لا مناص منه.    
 
 
 
 
     
 


(*) Edward Bryan Portis(1986), Max Weber and political commitment: Science, politics and personality. Philadelphia: Temple University Press.
(**) Weber, Max. 1895/1994. “The Nations State and Economic Policy (Freiburg Address)” in Weber: Political
      Writings. ed./trans. P. Lassman and R. Speirs. Cambridge: Cambridge University Press.
(*) Weber: Political Writings (op. cit), Introduction by Lassman and Speirs
par Ahmed AGHBAL publié dans : دروس
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Jeudi 7 février 2008
النظرية العلمية
أحمد أغبال
1. تعريف النظرية
يدل مفهوم النظرية في الاستعمال الشائع على الآراء والتخمينات والتأملات التي لا تستند في بنائها على الوقائع؛ ولذلك فإنها غالبا ما تكون بعيدة كل البعد عن الوصف الدقيق لما يجري في الواقع. ومما يترتب عن هذا الفهم الخاطئ أن بدأ الناس ينظرون إلى النظرية في كثير من الأحيان بنظرة ازدراء واحتقار، فنسمعهم يقولون مثلا: "هذه مجرد نظرية، وليست واقعا".
وإذا كانت النظرية في الاستعمال اليومي تدل على التأملات الغير واقعية أو البعيدة عن الواقع، فإنها تدل في مجال العلم على نموذج أو نسق من الأفكار الذي يحكمه منطق صارم، ويستعمل لوصف مجموعة من الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية وتفسيرها وتوقع تطوراتها. وتتشكل النظرية العلمية بواسطة منهج علمي رصين، وتفرض نفسها باعتبارها بناء فكريا مفاهيميا يدعمه المعطى التجريبي. إن النظرية بهذا المعنى هي الصياغة الشكلية المنطقية لنتائج الملاحظات التي تم تسجيلها في السابق والتي يمكن التحقق منها عن طريق التجريب، ومن ثمة استعمالها لتفسير الظواهر واستباق تطوراتها المستقبلية. وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن النظرية العلمية، على خلاف ما يعتقد عامة الناس، لا تتعارض مع الواقع؛ وعلى سبيل المثال فإن سقوط التفاحة من شجرتها على الأرض، واقعة تؤيد نظرية التجاذب الكوني التي بلورها إسحاق نيوتن.
ومع ذلك تظل النظرية العلمية في جميع الأحوال مجرد نموذج افتراضي يخضع باستمرار للتقويم والتصحيح. وكذلك يمكن دمج هذا النموذج في إطار نظرية أكثر شمولا. فقد جرت العادة أن يتم الربط منطقيا بين عدد كبير من الفرضيات أو النماذج الخاصة في إطار نظرية واحدة أو نظريتين. ولهذا السبب تكون النظرية الكبرى أكثر قدرة على التعامل مع الكليات بالمقارنة مع الفرضيات أو النماذج الخاصة وتكون قدرتها على التفسير أكبر لأنها تنظر إلى الظواهر في سياق أوسع وأشمل، بينما تتعامل النماذج والفرضيات مع مجموعة من الظواهر الخاصة.
ولعل ما يجعل عامة الناس ينظرون إلى النظرية بنوع من الازدراء هو أنهم لا يجدون فيها ما يحقق لهم المنفعة التي يرغبون فيها بشكل مباشر؛ ذلك لأن بناء النظرية لا يستهدف في الأصل تحقيق أية مصلحة خاصة، ولذلك تكون الحقيقة التي تعبر عنها مجردة ونسبية، ولا تعتبر صحيحة إلا في إطار نسق نظري معين، ومعنى ذلك أنه لا توجد حقائق متعالية على النظريات أو خارج النظريات. ولكن نسبية الحقيقة وتعاليها عن المصلحة الخاصة لا يعني أنها غير قابلة للتطبيق في مجال من مجالات الحياة الاجتماعية، بل كثيرا ما تستعمل لأغراض أيديولوجية. وتتحدد قيمة كل النظرية بمدى اقترابها من الحقيقةن ومن هنا تطرح المسألة المتعلقة بمعايير صلاحية النظرية وكيفية بنائها.
2. معايير صلاحية النظرية
يرى بعض الباحثين في مجال الإبستملوجيا أن النظرية الجيدة هي تلك التي تستوفي شرطين أساسيين وهما:
§        أن تكون قادرة على وصف مجموعة من الوقائع في ضوء نموذج يرتكز على عدد قليل من المصادرات (الأكسيومات) أو العناصر العشوائية، وهي القضايا التي يتم التسليم بها من غير إقامة الدليل على صحتها؛ وإنما يتم قبولها لاستحالة الحكم عليها لا بأنها صحيحة ولا بأنها خاطئة. إن المصادرة بهذا المعنى هي القضبة التي لا سبيل إلى البرهنة عليها، وأما القضية التي قام عليها الدليل فإنها لا تعتبر مصادرة على الإطلاق. وتتحدد قيمة المصادرة بمدى أهمية النتائج المستنبطة منها من حيث مطابقتها أو انسجامها مع الوقائع. وبسبب طبيعتها العشوائية تعتبر المصادرات الحلقة الضعيفة في بنية النظرية، ولذلك يميل العلماء إلى الانطلاق من أقل عدد ممكن للتقليل من احتمال الخطأ؛ ومن أمثلة ذلك نظرية النسبية الخاصة التي شيدها ألبرت إنشطاين انطلاقا من مصادرتين: أولهما مصادرة غاليليو التي تقول بتزايد سرعة الأجسام عند انطلاقها، والثانية ثبات سرعة الضوء التي تمثل السرعة المطلقة. وافترض أن هاتين الملاحظتين معا صحيحتان رغم تعارضهما الظاهر. وما فعل بعد ذلك هو أنه قام بتعديل مصادرة غاليليو لتتلاءم مع فكرة عدم تزايد السرعة بالنظر إلى سرعة الضوء، وصاع نظريته الجديدة على هذا الأساس. وهكذا، فعندما تخضع المصادرات لأي تعديل يؤدي ذلك إلى حدوث تغير جوهري في البناء النظري كله. 
§        وأن تكون قادرة على التكهن بنتائج الملاحظات المستقبلية؛ ويذهب فلاسفة العلم إلى حد القول: إن النظرية الفيزيائية لابد أن تكون تنبؤية رغم كونها افتراضية يتعذر الجزم بثبوتها ثبوتا تاما. وهكذا، فإنه مهما كانت النتائج التجريبية تؤكد توقعات النظرية فإنه لا يمكن استبعاد إمكانية الحصول في المستقبل على نتائج تجريبية تتعارض مع ما تقول النظرية؛ ومعنى ذلك أيضا أنه يمكن تكذيب النظرية من خلال العثور ولو على ملاحظة واحدة من الملاحظات التجريبية التي لا تؤيد التوقعات النظرية. وقد يؤدي هذا الاكتشاف إلى إحداث تغيير جذري في النظرية أو استبدالها بنظرية أخرى أو منظور إرشادي آخر paradigme حسب تعبير طوماس كوهن Thomas kuhn.
ولما كانت النظرية العلمية تقوم على مصادرات غير قابلة للبرهنة أصبح من الممكن تعديلها وتطويرها وتجاوزها باستمرار. ولعل ذلك هو ما حدا بكارل بوبر Karl Popper إلى أن يجعل من مبدإ التفنيد أو القابلية للتكذيب معيار علمية النظرية، في مقابل "مبدإ التحقق" الذي جعل منه أصحاب الوضعية المنطقية مبدأهم المفضل. يقضي هذا المبدأ بأن قيمة النظرية العلمية لا تتحدد في المقام الأول بقوة الدليل التجريبي على صحتها ويقينها، ولا تؤخذ النظرية مأخذ الجد في نظر بوبر ما لم تكن مرنة منفتحة على كل الاحتمالات وقابلة للتعديل، ولا يشترط فيها بالتالي أن تكون تامة محكمة البنيان ودقيقة إلى أبعد الحدود في تنبؤاتها. والدليل على ذلك هو أن نظرية الفيزياء الميكانيكية التي وضعها نيوتن لم تكن دقيقة في تنبؤاتها، ولكنها كانت على قدر كاف من الواقعية والمعقولية لمقاربة العديد من الظواهر وتفسيرها بطريقة أبسط وأسهل بالمقارنة مع النظريات التي تبدو أكثر دقة ولكن تطبيقها يكون أصعب لما يتطلبه من إجراءات رياضية بالغة التعقيد. وأما فيما يتعلق بمبدإ التحقق فإنه من السهل في نظر بوبر أن تجد أية نظرية من الدلائل الأمبريقية ما يدعمها، ولكن هذا الدعم ليس هو المعيار الأساسي لعلميتها؛ ذلك أنه لو انشغل الباحثون بالبحث عما يفندها لعثروا عليه عاجلا أو آجلا؛ ومن هنا حصر خصائص النظرية العلمية فيما يلي:
§        إن التحقق لا تكون له قيمة علمية ‘لا إذا جاء نتيجة للمغامرة في البحث عن النتائج غير المتوقعة أو الوقائع التي لا تنسجم مع توقعات النظرية والتي تفندها؛
§        إن النظرية العلمية الجديرة بهذا الاسم هي في المقام الأول تلك النظرية التي تقول بعدم إمكانية حدوث بعض الوقائع، لا النظرية التي تنبؤ بحدوث بعض الوقائع؛
§        إن النظرية التي لا تكذبها أية واقعة من الوقائع ليست نظرية علمية، ومعنى ذلك أن اليقين المطلق ليس فضيلة علمية؛
§        إن الاختبار الحقيقي للنظرية هو ذلك الذي يسعى إلى تفنيدها. إن التحقق العلمي هنا لا يعني شيئا آخر غير التفنيد أو التكذيب؛
§        إن تكذيب النظرية العلمية لا يمنع استمرارها بشكل نهائي شريطة أن تخضع لبعض التعديلات، ولكنه يقلل من قيمتها العلمية.
وخلاصة القول إن معيار صدق النظرية، من وجهة نظر كارل بوبر، هو قابليتها للتفنيد أو الاختبار الذي يهدف إلى تكذيبها. وهذا مثال يوضح هذه الفكرة: لنفترض أن احدهم وضع نظرية تقول: "إن كل الحيوانات تحرك فكها الأسفل عندما تأكل"، ثم إنه أراد أن يثبت نظريته من خلال ملاحظة سلوك الأكل لدى الحيوانات. لاشك في أنه سيجد عددا لا يحصى من الحالات التي تدعم نظريته، وتجعله يطمئن إليها. ولو أنه طبق منهجية بوبر وراح يبحث عن الوقائع التي من شأنها أن تكذب نظريته، أي عن الحيوانات التي تحرك الفك الأعلى لكان ذلك أفيد للبحث العلمي، ولسوف بحرره من الوهم الذي كان عليه عندما يجد أن التمساح يحرك فكه الأعلى. وإنما يدل مبدأ بوبر على الروح العلمية المنفتحة وعلى نسبية الحقيقة العلمية وقابليتها للتجاوز والتطور.
  ومع ذلك تعرضت نظرية بوبر للنقد، ومن أكبر خصومها فليب كريشر Philip Kircherالذيواجهها بقوله إنه لو كانت نظريته صحيحة لكان اكتشاف الكوكب أوانوس عام 1781 قد أدى إلى تقويض نظرية الميكانيكا الكونية لنيوتن، على اعتبار أن مدار هذا الكوكب لا ينسجم مع توقعات النظرية. وثبت فيما بعد أن كوكبا آخر يؤثر فيه. يتفق كريشر مع بوبر في أن العلم لا يتقدم إلا من خلال تعثراته وكبواته، ولكنه يميل مع ذلك إلى الرأي القائل بأن النظريات العلمية لا تخلو من القضايا أو المصادرات العشوائية التي لا يمكن تفنيدها، وهذا لا يقلل من قيمتها العلمية، بل يجعلها خصبة وخلاقة. ومن هذا المنطلق حاول أن يحدد مواصفات النظرية العلمية الجيدة، وتتلخص في الوحدة والخصوبة والتوفر على بعض الفرضيات الملحقة. وترتكز وحدة النظرية عنده على وجود إستراتيجية واحدة لحل المشكلات، أو عدد قليل من الإستراتيجيات التي يمكن تطبيقها في عدد كبير من الوضعيات. وأما خصوبة النظرية فتعني قدرتها على طرح أسئلة جديدة، وفتح واقتحام مجالات بحث جديدة لم يكن أحد قد طرقها من قبل، وفسح المجال لظهور رؤية جديدة للعالم. واما الفرضيات الملحقة فهي تلك الفرضيات التي يمكن التحقق منها في استقلال عن المشكلة التي وضعت في الأصل من أجل حلها وعن النظرية التي جاءت [الفرضية] لدعمها.
 
 

 

par Ahmed AGHBAL publié dans : دروس
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Lundi 28 janvier 2008

 

الاتجاهات الجديدة في علم النفس المعرفي
في مرحلة ما بعد بياجي
د. أحمد أغبال
 
مقدمة
تهدف هذه الدراسة إلى التعريف بالاتجاهات الجديدة في علم النفس المعرفي التي تشكلت على خلفية القراءات النقدية لأعمال جان بياجي Jean Piaget، وتكمن أهميتها في توفير بعض الأدوات النظرية التي تساعد على فهم آليات التعلم المدرسي وتحسين نوعية التعليم.
يميز الدارسون الذين قاموا بمراجعة أفكار بياجي بين أعماله المبكرة والمتأخرة، ولاحظوا أن موقفه من مسألة النمو المعرفي قد تغير مع مرور الزمن. كان يميل في بداية الأمر إلى الاعتقاد بأن النمو المعرفي يتأثر بالتجربة الاجتماعية للفرد تأثرا قويا، ولكنه تراجع عن هذه الفكرة فيما بعد، ولم تعد لها في أعماله المتأخرة سوى وظيفة شكلية في أحسن الأحوال(Glashan and Light, 1982; Daman, 1981; Ginsberg, 1981) يمثل التراجع عن أفكار مرحلة الشباب إحدى نقط الضعف الأساسية في أعمال بياجي. ويرجع السبب في ذلك، حسب بعض النقاد، إلى أن بياجي نظر إلى النمو المعرفي من منظور إبستملوجي بينما كان يجب أن ينظر إليه من منظور سيكولوجي، على اعتبار أن القضية المطروحة ليست قضية إبستملوحية بالأساس بل إنها قضية سيكولوجية.(Barcker and Newson, 1979)، عبر الفيلسوف هاملين عن نفس الموقف في معرض حديثه عن الشروط التي تجعل التعلم ممكنا، حيث قال: "إن هذه الاعتبارات بمعناها العميق والأصيل هي اعتبارات سيكولوجية وليست جزءا من الإبستملوجيا التكوينية" (Hmlyn, 1981, p. 172). ذلك لأن بياجي اهتم بدراسة البنية المنطقية-الرياضية الشكلية التي يُنظر إليها الآن على أنها بنية افتراضية وليست واقعية، وباعتبارها كذلك فإنها لا تقبل الملاحظة والقياس.
وعلى الرغم من الانتقادات التي تعرضت لها نظرية بياجي فإنها ستظل على الدوام مصدرا للإلهام لا ينضب. لقد خلف لنا بياجي إرثا عظيما، غنيا بالقضايا التي أثارها، وبالحلول التي اقترحها، وبالتأويلات التي تعرضت لها، والجدل الذي أثير حولها، وبالأسئلة التي ظلت معلقة. كان له أتباع كثيرون من المجددين لفكره يحملون اسمه تكريما له، وكرسوا حياتهم لتطوير أفكاره. هؤلاء هم البياجيون الجددneo-piagetians. يتفق هؤلاء الباحثون مع آراء المعلم الأول في بعض الأمور ويختلفون معه في أمور أخرى، مع وجود تباين كبير في تصوراتهم للعديد من القضايا وخاصة ما تعلق منها بطبيعة النمو المعرفي وآلياته. فإذا كانوا يتفقون جميعا مع بياجي حول المصادرة الأساسية التي بنى عليها نظريته كلها والتي تقولإن البنية العقلية للطفل تزداد تعقيدا كلما انتقل من مرحلة عمرية إلى أخرى، فإنهم أخذوا عليه كثرة انشغاله بالجانب المنطقي الشكلي وتغافله عن جوانب كثيرة كعمليات معالجة المعلومات وتنوع الأنشطة المعرفية والفروق الفردية. وجاءت حركة البياجيين الجدد لسد هذه الثغرات. ولم تكن هذه الحركة متجانسة لأنها تشكلت على خلفية انفجار النظريات الكبرى ومنها نظرية بياجي نفسه. ولذلك سعى رواد هذه الحركة إلى بلورة نماذج أو نظريات صغرى. وكان لابد أن تختلف تصوراتهم للعديد من القضايا، وفي مقدمتها مسألة العلاقة بين مستوى الأداء ومستوى نمو البنية العقلية:  فبينما برى البعض أن مستوى الأداء - الذي يتناسب من حيث المبدأ مع مستوى نمو البنية العقلية ودرجة تعقدها - يظل ثابتا مهما اختلفتالحقول المعرفية وتباينت طبيعة المهام المرتبطة بها،وخاصة إذا كانت الظروف مواتيةللتعلم (1984 Case,)،يرى البعض الآخر أن طريقة الطفل في معالجة المهام المعرفية لا تنسجم دائما مع مستوى نموه العقلي (Sylvern, 1985 ; Fischer andBiggs and Collis, 1982).
وعندما يطرح السؤال: ماذا ينمو لدى الطفل ؟ يجيب بياجي:إن البنية العقلية هي التي تنمو، وأن غاية نموها هي العمليات المنطقية- الرياضية الشكلية.ولكن البياجيين الجدد لا يتفقون جميعا حول هذه الفكرة،ولذلك كانت تصوراتهم لموضوع النمو والارتقاءمتنوعة ومختلفة جدا. فبينما يرى البعض أن ما ينمو في الواقع هي الاستراتيجيات المستخدمة لحل المشكلات(Case, 1984, 1985 ; Siegler, 1997)، يرى البعض الآخر أن المهارات المرتبطة بالبنية العقلية المتزايدة التعقيد هي التي تنمو(Fischer, 1984 , 1985). فإذا كان روبي كيس Case مثلا يعتقد أن الاستراتيجيات جزء من البنيات المفاهيمية المركزية القابلة للتعميم أو التطبيق في مختلف الحقول المعرفية، فإنكورت فيشرKurt Fischerلا يفصل المهارة عن الحقل المعرفي الذي تبلورت في أحضانه. ترتبط المهارات في نظرية فيشر ارتباطا وثيقا بالمهام المعرفية وتتنوع بتنوعها. ولجون بيغس John Biggsتصور آخر يجمع بين ما قاله روبي كيس عن الاستراتيجيات وما ذهب إليه كورت فيشر في معرض حديثه عن المهارات، ولكنه لا يقف عند الحدود التي وقف عندها هذان الباحثان. إن ما ينمو في نظره هي بنية حصيلة التعلم القابلة للملاحظة والقياس  the structure of observed learning outcome(SOLO)والتي ترتكز ديناميتها على التفاعل المستمر بين بعض المتغيرات الشخصية والعمليات المعرفية وآليات التعلم كالقدرات العامة وخاصة الذاكرة النشيطة working memory والمهارات والاستراتيجيات والحوافز الخوبين عوامل السياق الذي يكيف المهمة المعرفية ومتطلبات إنجازها(Biggs and Collis. 1982).
وهكذا، فإذا كان علماء النفس النمائي يختلفون في تصورهم لنموالقدراتالمعرفية، وإذا كانت أجوبتهم عن السؤال: ماذا ينمو؟ مختلفة ومتضاربة، فإنه لابد أن تختلف الأجوبة المتعلقة بالكيف، وذلك نظرا للعلاقة الموجودة بين تصور الباحث للسيرورة النمائية وتصوره لآلياتالانتقال من مرحلة إلى أخرى. وقبل أن نتطرقبنوع من التفصيل إلى مختلف الطروحات نود أن نستعرضفي البداية نظرية علم النفس المتخصص في دراسة عمليات معالجة المعلومات، أو لنقل توخيا للإيجاز: علم النفس المعلوماتيinformation-processing psychology، الذي كان له تأثير كبير في حركة البياجيين الجدد.
par Ahmed AGHBAL
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Dimanche 27 janvier 2008

 

1- علم النفس المعلوماتي
بدأ علم النفس المعلوماتي يتشكل تدريجيا ليتأسس كعلم قائم بذاته منذ حوالي أربعة عقود خلت في الولايات المتحدة الأمريكية، رافق ظهوره تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، ونما تحت تأثيرها. وقد جاء النموذج المعلوماتي information-processing model كرد فعل ضد نظرية بيني Binet التي تعتبر الذكاء قدرة ثابتة، وبدأ يفرض نفسه في أعقاب الضجة التي أثارها استخدام روائز الذكاء في مجال التعليم بالولايات المتحدة الأمريكية،وأتى بتصور جديد للذكاء. يرتكز التصور الجديد على مصادرة مفادها أن الذكاء ليس سمة من سمات الفرد الثابتة، ولكنه طريقة في تناول الموضوعات ومعالجة المعلومات وحل المشكلات. يشمل مفهوم الذكاء، منظورا إليه من هذه الزاوية،مجموعة من العمليات العقلية التي لا تخرج خروجا تاما عن نطاق السيطرة، إذ يمكنالتحكم فيها، وتدريبالمتعلمين عليها، وتطويرها بشكل إرادي.
يركز هذا التصور على البعد الدينامي الحركي للذكاء،ويستبعد أن يكون له مضمون ثابت.وإذا صحت هذه الفرضية فإنه لا يجوز لأحد أن ينعت الطفل الذي يعاني من صعوبات التعلمبالغباء، وذلكعلى اعتبار أن الخلل ليس متأصلا في الذات،بليقع على مستوى الطريقة التي يباشر بها المهام المعرفية، ولذلك يمكن القولإن الطفل ليس غبيا، ولكن سلوكه ليس ذكيا. لهذا التصور مزايا عديدة تنكشفلنا عندما نقوم بفحصهفي ضوء الدور المنوط بالمدرس،وهو مساعدة التلميذ على تقويم سلوكه. وأما إذا افترضنا أن الذكاء قدرة ثابتةفإنه لن يكون باستطاعة أي مدرس مهما كانت قدراته أن يؤثر فيه،وسيكون من الطبيعي أن يعمد إلى تصنيف التلاميذ إلى فئات حسب درجات الذكاء أو الغباء،وأن يتعامل مع بعضهم على أنهم أذكياء بالطبع، ومع غيرهم على أنهم أغبياء بالطبع،وسيكون من العبثأن نرسل أطفالنا إلى المدارس إذا كانت حصيلة التدريس متغيرا تابعا لمتغير آخر يقع خارج سيطرة المعلم. ولعل من أبرز مزايا التصور الجديد للذكاء وأكثرها أهمية هو أن الوعي بمبادئه ومقاصده يساعد على تنامي الروح المهنية في ميدان التربية والتعليم، وهو ما عبر عنه بيغس ومور بقولهما: « إن خلع الطابع الميثولوجي عن هذا المفهوم [الذكاء] مهم جدا لكونه يساعد على تطوير التصور المهني لدور المدرس»Biggs and Moore, 1993, p. 159))  
تلحق صفة الذكاء،منظورا إليه في ضوءعلم النفس المعلوماتي،بالسلوك لا بالذات.يرد مفهوم الذكاء في سياق الخطاب السيكولوجي الجديدمرادفا لمفهوم معالجة المعلومات. كتب هونت Hunt مقالا تحتعنوان:  « Intelligence as an information-processing concept »(Hunt, 1980)ليؤكد على مدى أهمية هذه الفكرة. ترتكز نظرية هونت على ثلاثة مفاهيم أساسية وهي: مفهوم البنية structure، ومفهوم العملية process، ومفهوم قاعدة المعرفة Knowledge base. تعكس هذه المفاهيم نظام الكمبيوتر، ولكن الباحثين عمموا استعمالها ليشمل أنظمة أخرى ولتغدو أكثر اتصالا بواقع السلوك الإنساني، وأصبحت تشير إلى بنية الدماغ والجهاز العصبي للإنسان.
كان داس  Das وكيربيKirbyوجارمن Jarman (1979) من أبرز الباحثين الذين اتجهوا في هذا المنحى في محاولة للجمع بين نظرية لوريا Luria  حول وظائف الدماغ ونظرية معالجة المعلومات. وتعتبر نتائج بحوثهم من أكثر الأعمال انسجاما مع الإنجازات التي تحققت في مجال فيزيولوجيا الدماغ والجهاز العصبي (Kirby, 1984). وكان لورياقد ميز بين ثلاثة أنظمة وظيفية وهي: النظام الذي يؤدي وظيفة التذكرarousal، والنظام الذي يتولى معالجة المعلومات processing، والنظام الذي يؤدي وظيفة التخطيط planning. تبنى داس وكيربي وجارمن هذه المفاهيم، وركزوا على وظيفة معالجة المعلومات، وميزوا فيها بين نوعين من العمليات: العمليات التي تعالج المعلومات وفقا لمبدأ التزامن simultaneous processing، والعمليات التي تعالج المعلومات وفقا لمبدأ التعاقب successive processing. وعلى هذا الأساس بلور داس Das ما سماه نموذج دمج المعلومات information integration model(Das, 1984). ويتألف نظام معالجة المعلومات من ثلاث نظم صغرى مترابطة فيما بينها، وتمر عملية معالجة المعلومات بثلاث مراحل، يشتغل في كل واحدة منها نظام معين،وهي:
المرحلة الأولى: وفيها تشتغل العمليات المرتبطة بنظام استقبال الانطباعات الحسية. يرتكز هذا النظام على عملية انتقاء المعلومات، وتتطلب هذه العملية درجة عالية من الانتباه من أجل فحص المدخلات الواردة من المحيط الخارجي لتقدير مدى أهميتها بسرعة فائقة. ذلك لأن الفرد يتلقى خلال هذه المرحلة كمية هائلة من المعلومات عن طريق الحواس، ونظرا لضخامة حجم المعطيات التي ترد إليه من المحيط يعجز عن معالجتهادفعة واحدة وبشكل متزامن،ولذلك يركز انتباهه على أكثرها أهمية بالنسبة إليه.وتجري عملية الانتقاء ضمن ما يسميه داسبسجل الانطباعات الحسية sensory register، وتستغرق مدة قصيرة جدا لا تتجاوز ثانية واحدة.
المرحلة الثانية: وفيها تنتقل المعطيات المنتقاة إلى الذاكرة النشيطة working memory. ومن أهم ما يميز هذه الذاكرة هو وقوعها داخل دائرة الوعي، ومحدوديةطاقتها الاستيعابية، وقصر مداها، لا تستقر فيها المعلوماتأكثر من دقيقة واحدة، ولذلك سميت بالذاكرة القريبة المدى. وتحتل الخطط والاستراتيجياتقسطا وافرا من حيز الذاكرة القريبة المدى إلى جانب المدخلات التي تم انتقاؤها،ولذلك اعتبرت بمثابة المحطة الرئيسية في عملية معالجة المعلومات.وتجدر الإشارة هنا إلى وجود علاقة وثيقة بين الخطط والاستراتيجيات من جهة، ونظم معالجة المعلومات من جهة أخرى، وهو ما عبرعنه كيربي بقوله:« إن الاستراتيجية الجيدة تعوض النقص في حيز الذاكرة النشيطة»(Kirby. 1984. pp. 6). وعندما تنتقل المدخلات إلى الذاكرة النشيطة تعالج بطريقة تمكن من حفظها في الذاكرة البعيدة المدى.
المرحلة الثالثة:وفيها تنتقل المعلومات التي تمت معالجتها إلى الذاكرة البعيدة المدى، ويفترض أن تستقر فيها مدى الحياة إذا تمكن الفرد من تنظيمها تنظيما محكما. ولكن الأساليب المستعملة لاختزانها وتنظيمها تختلف من فرد لآخر. فهناك من يلجأ إلى استراتيجية التكرار والحفظ والاستظهار، وهناك من يستخدم استراتيجية أخرى تقوم على الربط بين المدخلات الجديدة والمعارف المكتسبة من خلال تأويلها في ضوء تلك المعارف، وهذا ما يشير إليه مفهوم التحويل coding  أو encoding في لغة علم النفس المعلوماتي(Biggs and Moore, 1993).
يتألف نظام معالجة المعلومات، إذن،من ثلاثنظم فرعية وهي: سجل الانطباعات الحسية، والذاكرة النشيطة، والذاكرة البعيدة المدى، ويشتملبالإضافة إلى ذلك على عمليات التحويل,والتخزين,والتخطيط, والإستراتيجيات المرتبطة بها. وتعتبر الذاكرة النشيطة المحطة المركزية في هذا النظام. وبحكم مكانتها المركزية في الجهاز المعرفي تلعب الذاكرة النشيطة دورا رئيسيا في عملية معالجة المعلومات،حيث إنها تؤدي العديد من الوظائف البالغة الأهمية: منها ما يتصل بالتخطيط، وتحديد الأهداف، واتخاذ القراراتفيما يتعلق بانتقاء الاستراتيجيات المناسبة لتحقيق الأهداف أو ابتكار استراتيجيات جديدة من أجل التحكم في الأداء؛ ومنها ما يتصل بتحويل المدخلات التي تم انتقاءها وفرزها وتصنيفها وتحليلها وتركيبها في ضوء الأهدافالمتوخاة.
وعلى هذا الأساس أمكن التمييز في الجهاز المعرفي بين نوعين من الوظائف: هناك من جهة وظيفة تحويل encoding المدخلات وتخزينها،وهي الوظيفة التي تمثل المضمون الحقيقي لعملية معالجة المعلومات؛ وهناك من جهة أخرى الوظائف المرتبطة بنظم التحكم في العمليات السابقة الذكر. يتعلق الأمر هنا بالخطط والاستراتيجيات التي توجه عملية معالجة المعلومات وتمكن الفرد من تنفيذها بطريقة فعالة. يتألف الجهاز المعرفي إذن من عمليات معالجة المعلومات ونظم التحكم فيها.  
يستعمل مفهوم العمليةprocess، بالمعنى الدقيق للكلمة، للدلالة على التحويلencoding لتمييزه عن الإجراءات التي يشملها مفهوم التخطيط ومفهوم الاستراتيجية. هذا مع العلم أن الاستراتيجيات والقدرة على التخطيط تميل، عندما يتقنالفرد استعمالها ويطبقها بطريقة آلية، إلى الاشتغال مثلما تشتغل عملية معالجة المعلومات. وفي هذه الحالة يصبح من الصعب التمييز بين العمليات والاستراتيجيات. غير أن التطور الحاصل في الاستراتيجيات لا يفقدها وظيفتها، حيث تظل في موقع السيطرة متحكمة في عملية معالجة المعلومات، ترسم لها الخطط والأهداف والغايات. يدل مفهوم الاستراتيجيةبمعناها العام على المنهجية أو المقاربة المعتمدة في أداء المهام المعرفية. ومع أنه يمكن استخدام مصطلح الخطة plan كمرادف لمفهوم الاستراتيجية إلا أن بعض الباحثين يفضلون التفريق بينهما، حيثيميزون في الخطة بين عدة مستويات متراتبةحسب درجة خصوصيتها أو عموميتها: فهناك الخطط الصغرى والخطط الكبرى (Kirby, 1984).
par Ahmed AGHBAL publié dans : مقالات
ajouter un commentaire commentaires (0)    recommander
Samedi 26 janvier 2008

تتخذ الخطةفي نظرية جون كيربي مستويات متعددة ومتراتبة، تتدرج من أكثرها خصوصية إلى أكثرها عمومية، بحيث إن تنفيذ خطة معينة يستلزم أولا تنفيذ الخطط التي تقع في المستويات الدنيا من الدارج. تندرج الاستراتيجية في هذا النظام المتراتب باعتبارها خطة فرعية subplan،إنها جزء من نظام الخطط. والفرق بينها وبين الخطة هو أن هذه الأخيرة تبدو أكثر عموميةوشمولا. غير أنه يمكن التعامل مع الاستراتيجية بوصفها خطة عندماتوظف إجراءاتها ضمن نطاق محدود. ومع ذلك فإن مفهوم الاستراتيجية لا ينطبق دائما على جميع الأنشطة المعرفية، فهناكالكثير من الأنشطة التي لا يعبر عنها إلا بمفهوم الخطة.
وكذلك ميز جون كيربي في الاستراتيجيات بين نوعين: الاستراتيجيات الصغرى أوالأكثر خصوصية microstrategies والاستراتيجيات الكبرى أو الأكثر عمومية macrostrategies. وما يميز الصنف الأول هو أن كل استراتيجية منها تتناسبمع نوع محدد من المهام المعرفية دون غيره.إن ما يميز هذا النوع من الاستراتيجيات هو أنها تأخذ بعين الاعتبار خصوصيةكلمهمة، ولذلك تكون أكثر ارتباطا بالمعارف والقدرات التي يتطلبها إنجازها، وهو ما يجعلها قادرة على التأثير في الأداءبشكل مباشر.وتكمن أهميتها، إضافة إلى ذلك، في كونها قابلة للتلقين. وأما الصنف الثانيفيتميز بكونه أكثر شمولا وأكثرارتباطا بالبعد الوجداني للفرد وحوافزه.تعكس الاستراتيجيات الكبرى  الأسلوب المعرفي cognitive styleللشخص وطريقته في معالجة مختلف المهامالمعرفية. ولعل أهم ما يميز هذا النوع من الاستراتيجيات هو ارتباطها الوثيق بثقافة المجتمع، ولذلك يكون من الصعب تغييرهابواسطة التربية والتعليم.
وكذلك يمكن التمييز في الخطط بين نوعين: الخطط التي تطبق على مستوى الميكرو والخطط التي تطبق على مستوى الماكرو. ويكون من الصعب التمييز بين الاستراتيجيات والخطط الصغرى microplans عندما تميل هذه الأخيرة لأنتصبح أكثر شمولية، وكذلك يصعب التمييز بينها وبين خطاطة المعرفة knowledge schemeأو بنية المعارف الأكثر التصاقا بأفعال الفرد، عندما تصبح أكثر خصوصية. وكثيرا ما يحصل الخلط أيضا بين الأساليب المعرفية العامة والخطط الكبرى عندما تبلغ هذه الأخيرة درجة عالية من التعميم(Kirby. 1984).
إن ما يميز نموذج معالجة المعلومات بصفة عامة هو أنه يولي أهمية بالغة لنظم التحكم في عملية معالجة المعلومات. أخذ هذا النموذج العام شكلا خاصا عند داس Das وكيربي Kirby وجارمن Jarman عندما أدرجوا في نظريتهم أفكار لوريا حول التركيب المتزامن simultaneous synthesis والتركيب المتعاقب successive synthesis، وأطلقوا على الصيغة الجديدة اسم نظرية دمج المعلومات information integration theory. تمر عملية معالجة المعلومات في إطار هذا النموذج بنفس المراحلالتي كشف عنها النموذج المعلوماتي.والجديد في نظرية داس ومجموعته هو أن استعراض المعلومات وتنظيمهايتم وفقا لمبدأ التزامن ومبدأ التعاقبفي كل مرحلة من مراحل عملية المعالجة.
هناك إذن طريقتان لمعالجة المعلومات: طريقة ترتكز على مبدأ التعاقب، وأخرى ترتكز على مبدأ التزامن. ويختلف الأفراد في طريقة معالجة المعلومات، فمنهم من يظهر ميلا واضحا إلى بسطها واستعراضها في شكل حلقات متوالية، ولا يقيم بينها أية علاقةأخرى غيرعلاقة التسلسل،وهذه هي طريقة التركيب المتعاقب. ويفترض أن يكون الفرد الذي يستخدم هذه الطريقةشديد الميل إلى الحفظ والاستظهار. ومن الأفراد من يمتلك القدرة على أن يستحضر في ذاكرته كمية هائلة من المعطيات في آن واحد، ثم يقيم بينها علاقات منطقية، ويتمكن بذلك من إدراكالمعنى العام الذي تدل عليه التركيبة التي بناها على ذلك النحو،وهذه هي طريقة التركيب المتزامن. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إنجاز بعض المهام يتطلب بالضرورة توظيف منهجية التركيب المتعاقب، كما هو الشأن مثلا بالنسبة للسلاسل الزمنية أو التراكيب اللغوية، فإن فهمها يستلزمتنظيمهاوفقا لمبدأ التعاقب. وما يمكن ملاحظته على العموم هو أن الأفراد يتوزعونعلى هاتين الطريقتين، غير أن هذا التوزيع لا يحول دون إمكانية تصور فئة ثالثة تجمع بينهما. ويتحدد ميل الفرد إلى استخدام هذه الطريقةأو تلك بمدى قدرته على التخطيط.
وترتكز نظرية دمج المعلومات على مجموعة من المصادرات من أهمها:
§         تتم عملية معالجة المعلومات المتزامنة والمتعاقبة والتخطيط على جميع مستويات الجهاز المعرفي بما في ذلك مستوى الإدراك الحسي والذاكرة،وعلى مستوى بناء المفاهيم؛
§         إن عملية التركيب المتزامن وعملية التركيب المتعاقب لا تخضعان لمبدأ التراتب؛
§         وإذا كان من الممكن أن تظهر إحداهما قبل ظهور الأخرى، فإن كل واحدة منهما تنمو في استقلال عن الأخرى؛    
§         يمكن مقاربة المهمة المعرفية الواحدة بالاعتماد على طريقة التركيب المتزامن أو على طريقة التركيب المتعاقب، هذا مع العلم أنه يمكن لنفس الطريقة أن توظف استراتيجيات مختلفة. وتقف مجموعة من العوامل المتفاعلة خلف اختيار الفرد لهذه الطريقة أو تلك.تتمثل هذه العوامل في: (أولا) ميل الفرد إلىإتقان نمط معين من أنماط التحويل أكثر مما يتقن نمطا آخر؛؛ (ثانيا)اعتيادهعلى استعمال نمط معين إذا كان يتقن النمطين معا؛ (ثالثا)يشمل هذا العامل شروط إنجاز المهمة المعرفية. وقد تتغير هذه الشروط كلما تغيرت التعليمات التي يتلقاها الفرد بخصوص كيفية معالجتها.
§         إن التخطيط والتحويل عمليتان مترابطتان فيما بينهما.
لهذا النموذج النظري أساسه الفيزيولوجي أيضا. فقد تبلور انطلاقا من نظرية لوريا Luria التي تؤكد أنالمنطقةالجبهية الأمامية من الدماغ هي المسئولة عن أداء وظيفة التخطيط. ل